كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 1 · الموسم الأول
Englishلِمَاذَا لا تَزَالُ الفَلْسَفَةُ مُهِمَّةً فِي عالَمٍ فَوْضَوِيٍّ؟
Why Is Philosophy Still Important in a Chaotic World?
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
هٰذَا “أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ”, رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً.
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَمْشِي فِي مَمْشًى مَلِيءٍ بِالنَّاسِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ هَاتِفًا فِي يَدِهِ، وَيَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتٍ فِي أُذُنِهِ، وَيَنْظُرُ إِلَى شَاشَةٍ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَيُعِيدُ نَشْرَ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ. مَلَايِينُ البَشَرِ يَتَحَرَّكُونَ كَالسَّيْلِ, لَكِنْ أَيٌّ مِنْهُمْ يَسْأَلُ: لِمَاذَا أَنَا هُنَا؟ وَإِلَى أَيْنَ أَنَا ذَاهِبٌ؟ وَهَلْ مَا أُؤْمِنُ بِهِ حَقٌّ، أَمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ ظِلٍّ تَرْسُمُهُ عَلَيَّ خَوَارِزْمِيَّاتٌ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ تَعْمَلُ؟
تَخَيَّلْ أَنَّكَ وَقَفْتَ فِي وَسَطِ ذٰلِكَ المَمْشَى وَصَرَخْتَ: تَوَقَّفُوا! لِمَاذَا لَا يَتَوَقَّفُ أَحَدٌ؟ لِأَنَّ السَّيْلَ أَقْوَى مِنْ صَوْتِكَ، وَلِأَنَّ العَادَةَ أَيْسَرُ مِنَ التَّأَمُّلِ، وَلِأَنَّ الأَغْلَبِيَّةَ تَظُنُّ أَنَّ مُجَرَّدَ الحَيَاةِ يُغْنِي عَنِ التَّفْكِيرِ فِيهَا.
هٰذَا السُّؤَالُ الَّذِي طَرَحْتُهُ لَيْسَ تَرَفًا، وَلَا بُحُوثًا أَكَادِيمِيَّةً فِي أَرْشِيفٍ مَكْتُومٍ، بَلْ إِنَّهُ سُؤَالُ الوُجُودِ نَفْسِهِ, وَهُوَ أَقْدَمُ سُؤَالٍ عَرَفَتْهُ البَشَرِيَّةُ، وَأَشَدُّهَا إِلْحَاحًا.
أَيُّهَا الأَصْدِقَاءُ, أَهْلَ التَّأَمُّلِ وَالبَصِيرَةِ, أَهْلًا بِكُمْ فِي أُولَى مَحَطَّاتِ هٰذِهِ الرِّحْلَةِ. رِحْلَةٍ لَا نَعِدُكُمْ فِيهَا بِأَجْوِبَةٍ جَاهِزَةٍ، وَلَا نَمْنَحُكُمْ وَصَفَاتٍ سِحْرِيَّةً لِحَيَاةٍ هَادِئَةٍ، بَلْ نَعِدُكُمْ بِشَيْءٍ أَخْطَرَ مِنْ ذٰلِكَ: أَنْ نَتَعَلَّمَ مَعًا كَيْفَ نَسْأَلُ, وَكَيْفَ نَكُونُ شُجَعَانًا فِي البَحْثِ عَنِ الحَقِّ، حَتَّى إِذَا طَالَتِ الرِّحْلَةُ وَأَلَمَّتْ بِنَا العَتْمَةُ، لَمْ نَسْتَسْلِمْ لِلْيَأْسِ.
لِمَاذَا لا تَزَالُ الفَلْسَفَةُ مُهِمَّةً فِي عالَمٍ فَوْضَوِيٍّ؟
مَاتَتِ الفَلْسَفَةُ؟
هَل تَخَيَّلْتَ يَوْمًا أَنَّ الفَلْسَفَةَ قَدْ مَاتَتْ؟ أَنَّهَا رَكَنَتْ إِلَى زَاوِيَةٍ نُسِيَتْ فِي مَكْتَبَةِ التَّارِيخِ، بَيْنَ مُؤَلَّفَاتٍ مُغْبَرَّةٍ لا يَقْرَأُهَا إِلَّا المُتَخَصِّصُونَ فِي قَاعَةٍ خَالِيَةٍ؟ أَنَّهَا, كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ, صَارَتْ لُغَةً لا يَفْهَمُهَا أَحَدٌ، وَهَمًّا لا يُشْغِلُ إِلَّا المُتَأمِّلِينَ المَنْعَزِلِينَ.
إِنَّ هٰذَا الظَّنَّ لَشَائِعٌ. يَكْتُبُ كُتَّابٌ فِي الصُّحُفِ وَالمَوَاقِعِ أَنَّ الفَلْسَفَةَ انْتَهَتْ مَهَمَّتُهَا، وَأَنَّ العِلْمَ حَلَّ مَحَلَّهَا، وَأَنَّ التِّكْنُولُوجْيَا أَغْنَتْنَا عَنْ أَسْئِلَتِهَا. يَقُولُونَ: لِمَاذَا أُفَكِّرُ فِي مَعْنَى الحَيَاةِ وَعِنْدِي ذَكَاءٌ اصْطِناعِيٌّ يُجِيبُ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ فِي ثَانِيَةٍ؟ لِمَاذَا أَتَأمَّلُ فِي طَبِيعَةِ الحَقِّ وَعِنْدِي خَوَارِزْمِيَّاتٌ تُخْبِرُنِي بِمَا يَجِبُ أَنْ أُؤْمِنَ بِهِ؟
وَمَعَ ذٰلِكَ, أَيْنَ نَحْنُ اليَوْمَ؟ أَنَحْنُ أَكْثَرُ حِكْمَةً مِنْ أَجْدَادِنَا؟ أَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَى الحَقِّ؟ أَمْ أَنَّنَا أَكْثَرُ اشْتِبَاكًا بِالصَّخْبِ، وَأَبْعَدُ عَنِ المَعْنَى؟
لْنَكُنْ صَادِقِينَ مَعَ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَعِيشُ فِي أَزْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. لَيْسَتْ أَزْمَةَ طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ, بَلْ أَزْمَةَ مَعْنًى، أَزْمَةَ يَقِينٍ. كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَنَا مُتَغَيِّرٌ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ، وَكُلُّ يَوْمٍ يَطْرَحُ عَلَيْنَا سُؤَالًا جَدِيدًا لا تَكْفِي فِيهِ الإِجَابَاتُ الجَاهِزَةُ: سُؤَالٌ عَنِ الهُوِيَّةِ، عَنِ الحُرِّيَّةِ، عَنِ العَدَالَةِ، وَعَنْ مَعْنَى الحَيَاةِ نَفْسِهَا. وَحِينَ يَأْتِي السُّؤَالُ مُعَقَّدًا كَذَا, أَيُّ أَدَاةٍ نَمْلِكُ لِمُوَاجَهَتِهِ غَيْرُ العَقْلِ النَّاقِدِ؟ غَيْرُ الفَلْسَفَةِ؟
عِ عِنْدَمَا يَسْمَعُ الكَثِيرُونَ كَلِمَةَ «فَلْسَفَةٍ», يَتَخَيَّلُونَ صَفًّا مَلِيئًا بِالطُّلَّابِ، وَأُسْتَاذًا يَقْرَأُ نُصُوصًا إِغْرِيقِيَّةً بِصَوْتٍ مُنْفَعِلٍ، وَسُؤَالًا لا يُفْهَمُ إِلَّا بَعْدَ شُرُوحٍ طَوِيلَةٍ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الفَلْسَفَةَ أَبْسَطُ مِنْ ذٰلِكَ وَأَجَلُّ. إِنَّهَا, فِي جَوْهَرِهَا, طَرِيقَةٌ لِلنَّظَرِ، طَرِيقَةٌ لِلتَّعَامُلِ مَعَ العَالَمِ بِعَيْنٍ لَا تَقْبَلُ أَنْ تُخْدَعَ.
تَأَمَّلْ مَعِي: العَالِمُ يُخْبِرُكَ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الأَشْيَاءِ. يَقُولُ لَكَ: هٰذَا الجُزَيْءُ يَتَصَرَّفُ كَذَا، وَهٰذَا الكَوْكَبُ يَدُورُ كَذَا.
وَالْفَيْلَسُوفُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ فَيَسْأَلُ: لِمَاذَا هِيَ كَذٰلِكَ؟ وَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَذٰلِكَ؟ وَإِنْ كَانَتْ كَذٰلِكَ, فَمَا المَعْنَى؟
هٰذَا الفَرْقُ بَيْنَ «كَيْفَ» وَ«لِمَاذَا» هُوَ فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ. العِلْمُ يُعْطِيكَ وَصْفًا. الفَلْسَفَةُ تُعْطِيكَ بُعْدًا.
العِلْمُ يَقُولُ: الكَوْنُ يَتَوَسَّعُ. الفَلْسَفَةُ تَسْأَلُ: إِذَنْ مَا مَكَانُ الإِنْسَانِ فِي هٰذَا الكَوْنِ؟ وَهَل لِوُجُودِنَا مَغْزًى، أَمْ أَنَّنَا مُجَرَّدُ حُصَى صَغِيرَةٍ في صَحْرَاءَ لا حَدَّ لَهَا؟
العِلْمُ يُحَسِّنُ حَيَاتَنَا, نَعَمْ. يُطِيلُ أَعْمَارَنَا، وَيُسَهِّلُ مَعِيشَتَنَا. وَلٰكِنَّهُ لا يُجِيبُ عَنِ السُّؤَالِ الأَكْبَرِ: لِمَاذَا نَعِيشُ أَصْلًا؟ وَهل تَسْتَحِقُّ الحَيَاةُ المُطَوَّرَةُ أَنْ تُعَاشَ إِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ مَعْنًى؟ هُنَا, وَحَسْبُ, يَكُونُ مَوْقِعُ الفَلْسَفَةِ: أَنَّهَا لا تَسْتَبْدِلُ العِلْمَ، بَلْ تُكَمِّلُهُ. لا تَنْسَخُهُ، بَلْ تَتَأَمَّلُهُ.
وَإِنْ كَانَ لِلْفَلْسَفَةِ سَيْفٌ, فَإِنَّمَا هُوَ المَنْطِقُ، ذٰلِكَ الفَنُّ الدَّقِيقُ الَّذِي يُعَلِّمُكَ كَيْفَ تُمَيِّزُ بَيْنَ الحُجَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالكَلامِ المُعَسَّلِ، كَيْفَ تَكْشِفُ المُغَالَطَاتِ حِينَ تَتَسَلَّلُ إِلَيْكَ بِثِيَابِ اليَقِينِ، وَكَيْفَ لا تَنْخَدِعُ بِمَنْ يَتَكَلَّمُ بِثِقَةٍ وَلا يَمْلِكُ حُجَّةً.
وَلَقَدْ كَانَ المَنْطِقُ, يَوْمًا, مِنْ أَعْظَمِ إِنْجَازَاتِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ. تَأَمَّلُوا الفَارَابِيَّ حِينَ وَضَعَ «المَقَدِّمَاتِ»، وَابْنَ سِينَا حِينَ صَنَّفَ المَنْطِقَ فِي «الشِّفَاءِ»، والخَوَارِزْمِيَّ الَّذِي أَسَّسَ الجَبْرَ الَّذِي يُشَغِّلُ اليومَ كُلَّ حَاسُوبٍ فِي العَالَمِ. هٰؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا يَبْحَثُونَ عَنْ تَرَفٍ عَقْلِيٍّ, بَلْ عَنْ أَدَوَاتٍ لِفَهْمِ العَالَمِ كَمَا هُوَ، لا كَمَا يَظُنُّهُ الجَاهِلُونَ.
فِي زَمَنِنَا هٰذَا, زَمَنِ الإِشَاعَاتِ وَالتَّضْلِيلِ الرَّقْمِيِّ، زَمَنِ الأَخْبَارِ المُزَوَّرَةِ وَالحَقَائِقِ المُقَصَّرَةِ, صَارَ المَنْطِقُ ضَرُورَةً لا تَرَفًا، صَارَ حَاجَةً حَيَوِيَّةً كَالْمَاءِ وَالهَوَاءِ، لِأَنَّ مَنْ لا يَمْلِكُ مَنْطِقًا, يَصِيرُ فَرِيسَةً سَهْلَةً لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ مِنْ عَقْلِهِ مَسْرَحًا لِأَفْكَارِهِ.
وَهُنَا تَبْرُزُ قُوَّةُ الفَلْسَفَةِ الحَقِيقِيَّةِ: إِنَّهَا لا تُعْطِيكَ مَعْلُومَاتٍ, بَلْ تُعْطِيكَ أَدَوَاتٍ. تُعَلِّمُكَ أَنْ تَسْأَلَ، وَأَنْ تَشُكَّ، وَأَنْ تَبْنِيَ شَكَّكَ عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ، وَأَنْ تَبْحَثَ عَنِ الحَقِّ، وَلا تَسْتَرِيحَ إِلَى الوَهْمِ.
إِنَّهَا تَقُولُ لَكَ بِلُغَةِ ابْنِ سِينَا: “العَقْلُ أَوَّلُ مَرَاتِبِ المَعْرِفَةِ”، وَتَقُولُ لَكَ بِلُغَةِ سُقْرَاطَ: “الحَيَاةُ الَّتِي لا تُفَحَّصُ لا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ”.
وَلَعَلَّ أَهَمَّ مَا يُمَيِّزُ فَلْسَفَةَ عَصْرِنَا أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ حِوَارًا بَيْنَ الحُكَمَاءِ فِي صَحَارَى اليُونَانِ أَوْ رِحَابِ بَغْدَادَ فَحَسْبْ, بَلْ صَارَتْ حَاجَةً يَوْمِيَّةً لِكُلِّ إِنْسَانٍ يُعَايِشُ هٰذَا العَالَمَ المُعَقَّدَ.
تَأَمَّلْ, حِينَ يَصِلُكَ خَبَرٌ أَنَّ حَدَثًا كَبِيرًا وَقَعَ في طَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ، وَتَجِدُ المَشَاعِرَ تَتَدَفَّقُ فِيكَ: غَضَبٌ، حُزْنٌ، قَلَقٌ. هَل سَأَلْتَ نَفْسَكَ قَطُّ: لِمَاذَا أَغْضَبُ؟ وَهَل أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّ الخَبَرَ صَحِيحٌ؟ وَمَنِ الَّذِي اسْتَفَادَ مِنْ غَضَبِي هٰذَا؟
تَأَمَّلْ, حِينَ تَشْتَرِي شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَحْتَاجُهُ، بَعْدَ أَنْ أَقْنَعَكَ إِعْلَانٌ أَنَّكَ بِدُونِهِ نَاقِصٌ. هَل سَأَلْتَ نَفْسَكَ: مَنْ صَنَعَ هٰذَا الشُّعُورَ بِالنُّقْصَانِ؟ وَلِمَاذَا؟ وَهَل كَانَ هٰذَا النُّقْصَانُ وُجُودًا قَبْلَ الإِعْلَانِ، أَمْ أَنَّ الإِعْلَانَ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَهُ؟
الفَلْسَفَةُ, إِذَنْ, لَيْسَتْ مَوْجُودَةً في الكُتُبِ فَقَطْ. إِنَّهَا مَوْجُودَةٌ في اللَّحْظَةِ الَّتِي تَقِفُ فِيهَا مَكَانَكَ وَلا تَنْسَاقُ مَعَ السَّيْلِ. فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي تُفَكِّرُ فِيهَا بِاسْتِقْلَالٍ عَنْ مَا يُقَالُ لَكَ، حَتَّى إِنْ جَاءَكَ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْكَ.
وَتَأَمَّلْ, حِينَ تَجِدُ شَخْصًا يُصِرُّ عَلَى رَأْيٍ وَرَغْمَ كُلِّ الحُجَجِ لا يَتَحَرَّكُ. أَلَيْسَ هٰذَا أَمْرًا يَحْتَاجُ إلى فِكْرٍ؟ كَيْفَ نَفْهَمُ العِنَادَ؟ وَهَل هُوَ جُبْنٌ مِنَ المُعَتَدِلِ، أَمْ ثَبَاتٌ مِنَ المُتَيَقِّنِ؟ وَكَيْفَ نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا؟ هٰذِهِ, وَحْدَهَا, سُؤَالٌ فَلْسَفِيٌّ يَمَسُّ حَيَاتَنَا كُلَّ يَوْمٍ.
إِنَّهَا شَجَاعَةٌ صَغِيرَةٌ, وَلٰكِنَّهَا الشَّجَاعَةُ الأَوْلَى.
فِي زَمَنٍ تَتَسَابَقُ فِيهِ المَادِّيَّاتُ، وَتَتَسَاقَطُ فِيهِ القِيَمُ كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الصَّخْبُ حَتَّى يُصِيبَ الآذَانَ صَمَمٌ, يَظَلُّ صَوْتُ الفَيْلَسُوفِ هَادِئًا. لَكِنَّهُ, وَهٰذَا هُوَ الأَهَمُّ, عَمِيقٌ. صَوْتٌ لا يَصْطَدِمُ بِكَ، وَلا يَنْدَسُّ فِي أُذُنِكَ كَالضَّجِيجِ الإِعْلانِيِّ. بَلْ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَيْكَ بِلُطْفٍ وَيَقُولُ: تَعَالَ، لِنَنْظُرْ مَعًا.
وَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ أَجْمَلُ مَا فِي الفَلْسَفَةِ: أَنَّهَا لا تُجْبِرُكَ عَلَى شَيْءٍ. لا تَفْرِضُ عَلَيْكَ مَعْتَقَدًا، وَلا تَدْفَعُكَ نَحْوَ خِيَارٍ بِالْقُوَّةِ. إِنَّمَا تُضِيءُ لَكَ الطَّرِيقَ, وَتَدَعُكَ تُخْتَارُ. فَإِنِ اخْتَرْتَ بِعَقْلٍ وَعِلْمٍ, فَذٰلِكَ نَصْرٌ. وَإِنْ أَخْطَأْتَ, فَلَقَدْ أَخْطَأْتَ وَأَنْتَ وَاقِفٌ لا سَائِرٌ فِي غَيْهَبٍ.
وَمِنْ ثَمَّ, لا تُسْكِتْ هٰذَا الصَّوْتَ فِي نَفْسِكَ. تِلْكَ الفُسَيْلَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ التَّسَاؤُلِ الَّتِي تَنْبِتُ في دَاخِلِكَ, رَبَّمَا كَانَتْ هِيَ البِذْرَةَ الَّتِي سَتُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. فَالنَّهَايَةُ العَظِيمَةُ لا تَبْدَأُ بِخَطْوَةٍ كَبِيرَةٍ, بَلْ بِسُؤَالٍ حَقِيقِيٍّ يَنْبِتُ في قَلْبٍ لا يَزَالُ حَيًّا.
إِلَى أَيْنَ نَمْضِي؟
لَكِنَّ الرِّحْلَةَ تَبْدَأُ هُنَا. بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ يَدُقُّ فِي القَلْبِ وَالعَقْلِ مَعًا:
كَيْفَ تَعِيشُ عَيْشَةً لَهَا مَعْنًى, فِي زَمَنٍ صَارَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مُبْهَمًا، وَكُلُّ قِيمَةٍ نِسْبِيَّةً، وَكُلُّ إِجَابَةٍ تَأْتِي عَلَى مَقَاسِ رَغْبَاتِكَ؟
الإِجَابَةُ لَنْ تَأْتِيَ في هٰذِهِ الحَلْقَةِ. لَنْ تَأْتِيَ رُبَّمَا في كُلِّ الحَلَقَاتِ. وَلٰكِنَّ السُّؤَالَ, وَحْدَهُ, كَافٍ لِأَنْ يُغَيِّرَ طَرِيقَةَ نَظَرِكَ لِكُلِّ شَيْءٍ. فَلَمَّا كَانَتِ الحِكْمَةُ بَدْءُهَا مَرْبِطَ الأَسْئِلَةِ, كَانَتْ نِهَايَتُهَا مَبْحَرَ المَعَانِي.
سَنَدْخُلُ كَهْفًا... لَكِنَّهُ لَيْسَ كَهْفًا مِنْ صَخْرٍ وَتُرَابٍ. كَهْفٌ مِنْ أَضْوَاءٍ وَشَاشَاتٍ وَظِلَالٍ مُصْطَنَعَةٍ. كَهْفٌ وَضَعَهُ أَفْلَاطُونُ أَمَامَنَا قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ عَامٍ, وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّنَا سَنَكُونُ نَحْنُ أَصْحَابَهُ.
فَهَل نَحْنُ أَحْرَارٌ فِيمَا نُفَكِّرُ؟ أَمْ أَنَّنَا جَالِسُونَ في الكَهْفِ, وَنَظُنُّ أَنَّهُ العَالَمُ؟
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
