كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 2 · الموسم الأول
Englishكَهْفُ أَفلاطونَ في عَصْرِ الشَّاشاتِ
Plato's Cave in the Digital Age
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
هٰذَا “أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ”, رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً.
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
فَكِّرْ لَحْظَةً, هَل تَذْكُرُ آخِرَ مَرَّةٍ شَكَّكْتَ فِيهَا فِيمَا رَأَيْتَهُ بِعَيْنَيْكَ؟ لَيْسَ شَكًّا عَابِرًا يَمُرُّ كَالسَّحَابَةِ وَيَمْضِي, بَلْ شَكًّا حَقِيقِيًّا يَهُزُّ مَا تَعْتَقِدُ أَنَّكَ تَعْرِفُهُ. هَل تَذْكُرُ ذٰلِكَ الإِحْسَاسَ المُزْعِجَ حِينَ تَكْتَشِفُ أَنَّ صُورَةً لَمْ تَكُنْ كَمَا بَدَتْ؟ أَوْ أَنَّ خَبَرًا كَانَ مَزِيفًا رَغْمَ أَنَّهُ بَدَا يَقِينًا؟
تَخَيَّلْ أَنَّ كُلَّ مَا تَعْرِفُهُ عَنِ العَالَمِ, كُلَّهُ, خَطَأٌ. لَيْسَ لِأَنَّكَ غَبِيٌّ، بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا مَا صَنَعَ لَكَ وَهْمًا بِدِقَّةٍ مُطلَقَةٍ، وَأَجْلَسَكَ فِي مَكَانٍ لا تَرَى مِنْهُ إِلَّا الظِّلَالَ.
هٰذَا لَيْسَ خَيَالاً عِلْمِيًّا. هٰذَا هُوَ مَا قَالَهُ أَفْلَاطُونُ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ عَامٍ, وَمَا زَالَ صَادِقًا حَتَّى اليَوْمِ، رُبَّمَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
وَاليَوْمَ, نَتَعَمَّقُ أَكْثَرْ. نَذْهَبُ إلى إِحْدَى أَشْهَرِ صُوَرِ التَّفْكِيرِ الفَلْسَفِيِّ في التَّارِيخِ كُلِّهِ:
كَهْفُ أَفْلَاطُونَ
وَلَكِنْ, مَا هُوَ هٰذَا الكَهْفُ؟ وَمَا عِلَاقَتُهُ بِالشَّاشاتِ وَالذِّكَاءِ الاصْطِناعِيِّ وَالإِعْلانِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ؟
تَعَالَ نَبْدَأْ مِنَ البِدَايَةِ. في كِتَابِهِ «الجُمْهُورِيَّةِ»، قَدَّمَ أَفْلَاطُونُ, تِلْمِيذُ سُقْرَاطَ وَأُسْتَاذُ أَرِسْطُو, أُسْطُورَةً بَصَرِيَّةً مَدْهِشَةً لِشَرْحِ فِكْرَتِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ وَالمَعْرِفَةِ.
تَخَيَّلْ أُنَاسًا مَقِيدِينَ مُنْذُ وِلادَتِهِمْ في كَهْفٍ مُظْلِمٍ، لا يَرَوْنَ مِنَ العَالَمِ سِوَى ظِلالٍ تُلْقِيهَا نِيرَانٌ عَلَى الجِدَارِ أَمَامَهُمْ. رُؤُوسُهُمْ مُثَبَّتَةٌ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُلْتَفِتُوا. لا يَسْمَعُونَ سِوَى صَدَى أَصْوَاتٍ تَأْتِيهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ. لا يَعْرِفُونَ أَنَّ خَلْفَهُمْ أَشْخَاصًا يُحَرِّكُونَ تَمَاثِيلَ أَمَامَ النَّارِ لِتُسْقِطَ ظِلالاً عَلَى الجِدَارِ.
هٰؤُلاءِ المُقَيَّدُونَ يَعْتَقِدُونَ, بِصِدْقٍ تَامٍّ, أَنَّ هٰذِهِ الظِّلالَ هِيَ الحَقِيقَةُ. أَنَّهَا العَالَمُ. أَنَّهَا كُلُّ مَا وُجِدَ. يُسَمُّونَ الأَشْخَاصَ بِأَسْمَاءِ الظِّلالِ، وَيُحَاجِجُونَ بِشَأْنِهَا، وَيَبْكُونَ عَلَى فِقْدَانِهَا.
وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّ خَارِجَ الكَهْفِ, هُنَاكَ عَالَمٌ حَقِيقِيٌّ يَفُوقُ كُلَّ مَا يَتَخَيَّلُونَ. عَالَمٌ مِنْ أَلْوَانٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَأَصْوَاتٍ أَصِيلَةٍ، وَحَقَائِقَ لا تُصْنَعُهَا النَّارُ وَلا تَقْدِرُ الظِّلالُ عَلَى الإِحَاطَةِ بِهَا.
وَفي تَصَوُّرِ أَفْلَاطُونَ، إِذَا تَحَرَّرَ أَحَدُهُمْ، وَخَرَجَ مِنَ الكَهْفِ، وَرَأَى الضَّوْءَ وَالشَّمْسَ وَالأَلْوَانَ وَالحَيَاةَ, سَيُصَدَّمُ في البِدَايَةِ. سَيُؤْلِمُهُ النُّورُ. سَيَعْمَى لَحْظَةً. ثُمَّ, بَعْدَ أَنْ تَعَوَّدَتْ عَيْنَاهُ, سَيَفْهَمُ أَنَّهُ كَانَ يَعِيشُ في وَهْمٍ. سَيَدْرِكُ أَنَّ كُلَّ مَا آمَنَ بِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ كَانَ ظِلاًّ لَيْسَ إِلَّا.
وَلَكِنْ, إِذَا عَادَ هٰذَا المُتَنَوِّرُ إلى الكَهْفِ لِيُخْبِرَ رِفَاقَهُ بالحَقِيقَةِ, سَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. سَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَعْمَى. أَنْتَ مَجْنُونٌ. أَنْتَ تُهَدِّدُ نِظَامَنَا. وَإِنْ حَاوَلُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ, لَفَعَلُوا.
وَلَعَلَّ أَفْلَاطُونَ بِهٰذَا المَشْهَدِ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لَنَا شَيْئًا مُفَجِعًا: أَنَّ الحَقِيقَةَ لا تُرِيدُ دَائِمًا أَنْ تُعْرَفَ. وَأَنَّ أَهْلَ الكَهْفِ, أَيِّ كَهْفٍ كَانَ, يُدَافِعُونَ عَنْ ظِلالِهِمْ بِشَرَاسَةٍ لا تُصَدَّقُ، لا لِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَهَا، بَلْ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ مِنْ فَقْدَانِهَا. الخَوْفُ مِنَ المَجْهُولِ أَقْوَى مِنْ حُبِّ الحَقِّ.
وَالآنَ, تَأَمَّلْ مَعِي هٰذَا السُّؤَالَ المُزْعِجَ: أَلَا تَرَى أَنَّنَا اليَوْمَ نَعِيشُ نُسْخَةً جَدِيدَةً مِنْ «كَهْفِ أَفْلَاطُونَ»؟ كَهْفٌ لا جُدْرَانَ لَهُ, بَلْ شَاشَاتٌ في الجُيُوبِ وَعَلَى الجُدْرَانِ وَفِي الأَيْدِي وَالعُيُونِ. كَهْفٌ لا ظِلالَ فِيهِ, بَلْ صُوَرٌ وَفِيدْيُوهَاتٌ وَتَغْرِيدَاتٌ وَمَقَاطِعُ قَصِيرَةٌ تَمُرُّ كَالسَّيْلِ.
شَاشَاتٌ تُقَدِّمُ لَكَ صُورَةً مُحَرَّفَةً عَنِ العَالَمِ. مَشَاهِدُ حَرْبٍ مُنْتَقَاةٌ، وَأَخْبَارٌ مُفَبْرَكَةٌ، وَحَيَاةُ نَاسٍ مُصَفَّاةٌ وَمُزَيَّفَةٌ, كُلُّهَا تُقَدَّمُ عَلَى أَنَّهَا «الحَقِيقَةُ». حَقِيقَةٌ مَقْصُوصَةٌ مِنْ زَاوِيَةٍ وَاحِدَةٍ، مُهَنْدَسَةٌ بِعِنَايَةٍ لِتُوْلِدَ فِيكَ شُعُورًا مُعَيَّنًا: إِمَّا غَضَبًا، أَوْ خَوْفًا، أَوْ إِعْجَابًا، أَوْ شَفَقَةً. وَفِي كُلِّ الأَحْوَالِ, انْقِيَادًا.
نَحْنُ نُشَاهِدُ الظِّلالَ, وَنَظُنُّ أَنَّهَا الحَقِيقَةُ. نَحْنُ نَسْمَعُ الصَّدَى, وَنَظُنُّ أَنَّهُ الكَلامُ. نَحْنُ نَأْكُلُ الوَهْمَ كَأَنَّهُ طَعَامٌ.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا في هٰذَا الكَهْفِ الحَدِيثِ أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إلى سَجَّانٍ يَقِظٍ. نَحْنُ, نَفْسُنَا, صِرْنَا سَجَّانِينَ لأنْفُسِنَا. نَخْتَارُ الظِّلالَ طَوْعًا. نَدْخُلُ إلَى التَّطْبِيقَاتِ بِإِرَادَتِنَا. نُعِيدُ نَشْرَ مَا يُغْضِبُنَا بِأَيْدِينَا. وَنَظُنُّ, فِي قَرَارَةِ أَنْفُسِنَا, أَنَّنَا أَحْرَارٌ. أَلَيْسَ هٰذَا هُوَ عَيْنُ مَا حَذَّرَ مِنْهُ أَفْلَاطُونُ: أَنَّ السَّجِينَ الَّذِي يُحِبُّ قُيُودَهُ هُوَ أَعْظَمُ السَّجَنَاءِ عَذَابًا؟
مَنْ يُحَرِّكُ الظِّلالَ؟
فَمَنِ الَّذِي يُحَرِّكُ هٰذِهِ الظِّلالَ في كَهْفِنَا العَصْرِيِّ؟ سَائِلْ نَفْسَكَ بِصِدْقٍ: مَنْ يَصْنَعُ المَشَاهِدَ؟ مَنْ يُقَرِّرُ مَا نَرَى وَمَا لا نَرَى؟ مَنْ يَخْتَارُ لَنَا مَا نَقْرَأُ وَمَا نَتَجَاهَلُ؟
هَلْ هُمْ صُنَّاعُ المُحْتَوَى الَّذِينَ يَبْحَثُونَ عَنِ المَشَاهِدَاتِ وَالتَّفاعُلِ؟ هَلْ هُمُ المُسَوِّقُونَ الَّذِينَ يَبْنُونَ حَاجَاتٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً؟ هَلْ هُمُ السِّيَاسِيُّونَ الَّذِينَ يَسْتَخْدِمُونَ الخَوْفَ وَالأَمَلَ كَأَدَوَاتٍ؟ أَمْ هِيَ الخَوَارِزْمِيَّاتُ الَّتِي تُحَدِّدُ, بِدِقَّةٍ رِيَاضِيَّةٍ, مَا يَظْهَرُ فِي تَطْبِيقَاتِنَا، وَمَا يَغِيبُ، وَمَا يَبْقَى يَتْبَعُنَا أَيْنَمَا ذَهَبْنَا؟
الحَقِيقَةُ أَنَّ الجَوَابَ مُعَقَّدٌ. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ وَحْدَهُ, أَنْ تَطْرَحَهُ, كَافٍ لِأَنْ يَكُونَ بِدَايَةَ التَّحَرُّرِ. أَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ في كَهْفٍ, هِيَ أَوَّلُ خُطْوَةٍ نَحْوَ الخُرُوجِ مِنْهُ.
كَمَا قَالَ سُقْرَاطُ: “الحَيَاةُ غَيْرُ المَفْحُوصَةِ لا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ”, وَلَعَلَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ فَحْصُهُ هُوَ: أَيُّ كَهْفٍ نَعِيشُ فِيهِ؟
وَلَعَلَّ هٰذَا الكَهْفَ الحَدِيثَ أَخْطَرُ مِنْ قَبِيلِهِ القَدِيمِ, وَذٰلِكَ لِسَبَبٍ مُفَاجِئٍ: القَدِيمُ كَانَ يُؤْلِمُ أَصْحَابَهُ. كانوا مُقَيَّدينَ وَيُعَانُونَ. أَمَّا الكَهْفُ الجَدِيدُ, فَإِنَّهُ يُمْتِعُهُمْ. يُضْحِكُهُمْ. يُشْغِلُهُمْ. يُدْمِنُهُمْ. لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنْهُ, لِأَنَّهُ مَرِيحٌ. لِأَنَّهُ يُلَبِّي رَغَبَاتِهِمْ فَوْرًا. لِأَنَّهُ يَخْبِئُ لَهُمْ في كُلِّ انْزِلاقَةٍ إِلَى الأَسْفَلِ شَيْئًا جَدِيدًا يُسَلِّيهِمْ.
نَخَافُ أَنْ نَخْرُجَ, لِأَنَّ الضَّوْءَ يُؤْلِمُ العُيُونَ الَّتِي أَلِفَتِ العَتْمَةَ. وَلِأَنَّ الحَقِيقَةَ أَحْيَانًا مُرَّةٌ, بَعْضُ الأَحْيَانِ أَكْثَرُ إِيلَامًا مِنَ الوَهْمِ. وَلِأَنَّ المُتَنَوِّرَ الَّذِي يَعُودُ إلى الكَهْفِ, لا يُسْتَقْبَلُ بِالوُدِّ، بَلْ بِالسُّخْرِيَةِ وَالاسْتِهْزَاءِ.
تَأَمَّلْ, حِينَ يَقُولُ لَكَ أَحَدُهُمْ: لا تُعَقِّدِ الأُمُورَ. كُلُّ شَيْءٍ وَاضِحٌ. هٰذَا هُوَ الحَقُّ. اِقْبَلْهُ كَمَا هُوَ. أَلَيْسَ هٰذَا صَوْتَ أَصْحَابِ الكَهْفِ وَهُمْ يَرْفُضُونَ مَنْ يُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ مَا يَرَوْنَهُ ظِلالٌ؟
وَتَأَمَّلْ أَيْضًا, حِينَ يَنْتَشِرُ مَقْطَعُ فِيدْيُو قَصِيرٌ، ثَلاَثُونَ ثَانِيَةً، يُصَوِّرُ مَشْهَدًا مِنْ حَرْبٍ أوْ كَارِثَةٍ أوْ ظُلْمٍ. ثُمَّ يَتَدَفَّقُ عَلَيْهِ مَلاَيِينُ التَّعْلِيقَاتِ: غَضَبٌ، رُعْبٌ، تَضَامُنٌ، تَهْجِمٌ. وَلا أَحَدٌ يَسْأَلُ: هَل هٰذَا المَشْهَدُ حَقِيقِيٌّ؟ مَنْ صَوَّرَهُ؟ مَنْ قَصَّهُ؟ وَمَاذَا عَمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ؟ نَحْنُ نَبْكِي عَلَى ظِلٍّ, ثُمَّ نَنْسَاهُ في ثَوَانٍ.
وَمَا العِلاجُ؟
فَإِذَنْ، كَيْفَ نَخْرُجُ مِنْ هٰذَا الكَهْفِ المُعَوْلَمِ؟ كَيْفَ نَتَحَرَّرُ مِنْ ظِلالِ الشَّاشاتِ وَخَدَعِ الخَوَارِزْمِيَّاتِ وَأَسْرِ التِّلْقِينِ؟
العِلاجُ, وَكَمَا قُلْنَا في الحَلْقَةِ السَّابِقَةِ, يَكْمُنُ في الفَلْسَفَةِ. لا نَعْنِي هُنَا دِرَاسَةَ كُتُبٍ قَدِيمَةٍ لِأَجْلِ الامْتِحَانِ, بَلْ نَقْصِدُ نَهْجًا. طَرِيقَةً. وَسِيلَةً لِلنَّظُرِ في العَالَمِ بِعَيْنٍ نَقِيَّةٍ، وَبِعَقْلٍ مُتَسَائِلٍ، وَبِقَلْبٍ لا يَسْتَسْلِمُ لِلسُّهُولَةِ وَالتَّلَقِّي.
نَحْنُ نَحْتَاجُ إلى تَفْكِيرٍ نَقْدِيٍّ. نَحْتَاجُ إلى شَجَاعَةٍ أَنْ نَسْأَلَ. وَنَحْتَاجُ إلى وَعْيٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ الظِّلِّ وَذَاتِهِ. ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ يَبْدَأُ بِهَا كُلُّ تَحَرُّرٍ حَقِيقِيٍّ: أَنْ تَعْرِفَ، أَنْ تَشُكَّ، أَنْ تَبْحَثَ.
شَجَاعَةٌ, نَعَمْ، شَجَاعَةٌ, لأَنَّ السُّؤالَ في زَمَنِ التَّلْقِينِ يُعَدُّ تَمَرُّدًا. وَأَنْ تَقُولَ: لَسْتُ مُتَأَكِّدًا, في عَصْرِ اليَقِينِ المُزَيَّفِ, يُعَدُّ ضَعْفًا. وَأَنْ تَطْرَحَ سُؤَالاً حَقِيقِيًّا, في زَمَنِ الإِعْجَابَاتِ السَّرِيعَةِ, يُعَدُّ إِزْعَاجًا.
لٰكِنَّهُ, وَحَقًّا, هُوَ أَوَّلُ خُطْوَةٍ نَحْوَ النُّورِ.
وَلَعَلَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ أَنْ نَفْعَلَهُ هُوَ أَنْ نَبْطِئَ. أَنْ نَتَوَقَّفَ قَبْلَ أَنْ نُعْجِبَ. أَنْ نَقْرَأَ قَبْلَ أَنْ نُعِيدَ النَّشْرَ. أَنْ نَسْأَلَ قَبْلَ أَنْ نُصَدِّقَ. هٰذِهِ البُطْءُ, فِي عَصْرِ السُّرْعَةِ, هُوَ أَقْوَى أَدَوَاتِ التَّحَرُّرِ. أَنْ تَقُولَ: سَأَفَكِّرُ, قَبْلَ أَنْ أَتَحَرِّكَ. هٰذِهِ هِيَ الخُطْوَةُ الأُولَى نَحْوَ الخُرُوجِ مِنَ الكَهْفِ.
وَلِكَيْ نَبْدَأَ هٰذِهِ الرِّحْلَةَ, عَلَيْنَا أَنْ نَفْهَمَ أَكْثَرَ. كَيْفَ يُنْشَأُ الوَهْمُ؟ وَلِمَاذَا نَنْجَذِبُ إِلَيْهِ؟ وَهَلِ الحَقِيقَةُ دَائِمًا جَمِيلَةٌ, أَمْ أَنَّهَا أَحْيَانًا مُرَّةٌ تُفَضِّلُ العُيُونُ أَنْ تَغُضَّ عَنْهَا النَّظَرَ؟
وَثَمَّةَ سُؤَالٌ أَعْمَقُ يَنْبَغِي أَنْ نُوَاجِهَهُ: هَل نَحْنُ, بِالفِعْلِ, نُرِيدُ الخُرُوجَ مِنَ الكَهْفِ؟ أَمْ أَنَّنَا نُرِيدُ فَقَطْ أَنْ نَشْعُرَ بِأَنَّنَا خَرَجْنَا؟ هٰذَا فَرْقٌ عَظِيمٌ. فَالخُرُوجُ الحَقِيقِيُّ يَتَطَلَّبُ تَضْحِيَةً: يَتَطَلَّبُ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ يَقِينٍ كُنْتَ تَعْتَزُّ بِهِ. أَنْ تَقْبَلَ أَنَّكَ كُنْتَ مُخْطِئًا. أَنْ تَبْنِيَ نَفْسَكَ مِنْ جَدِيدٍ, عَلَى أَسَاسٍ مِنْ شَكٍّ صَادِقٍ وَطَلَبٍ حَقِيقِيٍّ.
فَإِنْ خَرَجَ أَحَدُ مِنَّا مِنَ الكَهْفِ بِعَقْلِهِ وَحْدَهُ, فَقَدْ لا يَجِدُ الطَّرِيقَ. وَإِنْ خَرَجَ بِوَحْيِهِ وَحْدَهُ, فَقَدْ لا يَمْلِكُ الأَدَاةَ. أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا, فَذٰلِكَ هُوَ النُّورُ الكَامِلُ.
سَنُرَافِقُ عَالِمًا مِنْ أَعْظَمِ عُلَمَاءِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ, رَجُلاً وَقَفَ بَيْنَ عَالَمَيْنِ، وَآمَنَ بِأَنَّ العَقْلَ وَالوَحْيَ حَلِيفَانِ لا خَصْمَانِ. رَجُلاً كَادَتْ كُتُبُهُ أَنْ تُغَيِّرَ وَجْهَ أُورُوبَّا كَمَا غَيَّرَتْ وَجْهَ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ.
ابْنُ رُشْدٍ, وَعَوْدَتُهُ الَّتِي لا تَزَالُ حَاجَةً إِلَيْهَا.
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
