كل الحلقات

Echoes of Wisdom · حلقة 11 · الموسم الثاني

English

العَدْلُ بَيْنَ الحُلْمِ وَالوَاقِع

Justice Between Dream and Reality

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ. هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً. الحَلْقَةُ الثَّالِثَةُ: العَدْلُ بَيْنَ الحُلْمِ وَالوَاقِع السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ المقدّمة في الحَلْقَتَيْنِ المَاضِيَتَيْنِ، سَأَلْنا عَنِ الوَعْيِ ثُمَّ عَنِ الآخَرِ. اكْتَشَفْنا أَنَّ المَعْرِفَةَ تَبْدَأُ بِالشَّكِّ الصَّادِقِ، وَأَنَّ الآخَرَ لَيْسَ عَقَبَةً بَلْ مِعْرَاجٌ. وَالآنَ, حِينَ نَعْرِفُ أَنَّنَا نَعْرِفُ، وَحِينَ نَرَى الآخَرَ بِحَقٍّ, يَأْتِي السُّؤَالُ الأَصْعَبُ: كَيْفَ نَعْدِلُ بَيْنَنَا؟ تَخَيَّلْ أَنَّكَ وَقَفْتَ بَيْنَ طِفْلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ عَلَى قِطْعَةِ حُلْوَى. أَحَدُهُمَا يَبْكِي وَالآخَرُ يَصْرُخ. كَيْفَ تَقْسِمُهَا؟ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ؟ وَلَكِنْ, مَا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَائِعًا وَالآخَرُ شَبْعَانَ؟ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا يَحْتَاجُ السُّكَّرَ وَالآخَرُ لا؟ هَلِ المُسَاوَاةُ عَدْلٌ دَائِمًا؟ أَمْ أَنَّ العَدْلَ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ يُحْسَبَ بِالْحِصَصِ؟ ابْنُ خَلْدُون: العَدْلُ حَضَارَةٌ في القَرْنِ الرَّابِعِ عَشَرَ المِيلَادِيّ، جَلَسَ رَجُلٌ في قَصْرٍ بِتُونُس وَكَتَبَ كِتَابًا لمْ يَعْرِفِ العَالَمُ مِثْلَهُ. عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ خَلْدُون, ذٰلِكَ العَبْقَرِيُّ الَّذِي أَسَّسَ عِلْمَ الاِجْتِمَاعِ قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى, لَمْ يَكْتَفِ بِوَصْفِ العَدْلِ كَفَضِيلَةٍ. بَلْ رَآهُ شَرْطًا لِوُجُودِ الحَضَارَةِ نَفْسِهَا. يَقُولُ ابْنُ خَلْدُون: الأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يَنْهَارُ المُلْكُ أَرْبَعَةٌ, وَأَوَّلُهَا الظُّلْمُ. وَالظُّلْمُ عِنْدَهُ لَيْسَ ضَرْبًا وَسَجْنًا فَحَسْب, بَلْ هُوَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ عَلاقَةَ الإِنْسَانِ بِالْجَمَاعَةِ. الْجَوْرُ في الأَجْرِ ظُلْمٌ. وَحِرْمَانُ المَعْرِفَةِ ظُلْمٌ. وَتَفْضِيلُ وَلَدِ الوَزِيرِ عَلَى وَلَدِ الفَلَّاحِ بِلا سَبَبٍ إِلّا النَّسَبُ, ظُلْمٌ. وَكُلُّ ظُلْمٍ يُوهِنُ رَابِطَةَ العُمْرَانِ, تِلْكَ الرَّابِطَةِ الَّتِي بِهَا يَقُومُ كُلُّ مُجْتَمَعٍ وَيَسْتَمِرّ. وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ: حَيْثُما وُجِدَ العَدْلُ, ازْدَهَرَ العُمْرَانُ. وَحَيْثُمَا وُجِدَ الظُّلْمُ, خَرِبَتِ الدِّيَارُ. تَأْمَلُوا التَّارِيخَ: كُلُّ حَضَارَةٍ عَظِيمَةٍ بَدَأَتْ بِالعَدْلِ وَانْتَهَتْ بِالظُّلْمِ. وَلَيْسَ هٰذَا صُدْفَةً, بَلْ سُنَّةٌ. سُنَّةٌ لا تَتَخَلَّفُ كَمَا لا يَتَخَلَّفُ الشَّمْسُ عَنِ الطُّلُوعِ. رَوْلْز: حِجَابُ الجَهْلِ وَبَعْدَ ابْنِ خَلْدُون بِقُرُونٍ، طَرَحَ الفَيْلَسُوفُ الأَمْرِيكِيُّ جُونْ رَوْلْز تَجْرِبَةً خَيَالِيَّةً ذَكِيَّةً. قَالَ: تَخَيَّلْ أَنَّكَ تُرِيدُ بِنَاءَ مُجْتَمَعٍ, وَلَكِنَّكَ لا تَعْرِفُ مَنْ سَتَكُونُ فِيهِ. لا تَعْرِفُ هَلْ سَتَكُونُ رَجُلًا أَمِ امْرَأَةً، غَنِيًّا أَمْ فَقِيرًا، صَحِيحًا أَمْ مَرِيضًا، أَبْيَضَ أَمْ أَسْوَدَ، حَاكِمًا أَمْ مَحْكُومًا. أَمامَكَ حِجَابٌ مِنَ الجَهْلِ يَحْجُبُ عَنْكَ هُوِيَّتَكَ المُسْتَقْبَلِيَّةَ. فَكَيْفَ سَتُصَمِّمُ هٰذَا المُجْتَمَعَ؟ رَوْلْز يَقُولُ: حِينَ لا تَعْرِفُ مَنْ سَتَكُونُ, فَإِنَّكَ سَتَخْتَارُ أَعْدَلَ نِظَامٍ مُمْكِنٍ. سَتَضْمَنُ حِمَايَةَ الضَّعِيفِ لِأَنَّكَ قَدْ تَكُونُ هُوَ. وَسَتَضْمَنُ تَوْزِيعَ الثَّرْوَةِ بِإنْصَاف لِأَنَّكَ قَدْ تَكُونُ الفَقِيرَ. وَسَتَضْمَنُ حُرِّيَّةَ الرَّأْيِ لِأَنَّكَ قَدْ تَكُونَ المُخَالِفَ. حِجَابُ الجَهْلِ يُزِيلُ الأَنَانِيَّةَ, فَإِذَا بِالعَدْلِ يَصِيرُ الخِيَارَ الوَحِيدَ العَاقِلَ. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ يَلْتَقِي رَوْلْز مَعَ ابْنِ خَلْدُون: كِلَاهُمَا يَرَى أَنَّ العَدْلَ لَيْسَ تَرَفًا أَخْلَاقِيًّا, بَلْ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّةٌ. المُجْتَمَعُ الظَّالِمُ لا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ فَحَسْب, بَلْ لِأَنَّهُ يَنْهَارُ مِنْ دَاخِلِهِ. الظُّلْمُ يَأْكُلُ أَسَاسَهُ كَمَا يَأْكُلُ السُّوسُ الخَشَبَ. العَدْلُ في شَوَارِعِنَا وَإِذَا نَظَرْنا إِلَى وَاقِعِنَا, وَجَدْنا أَنَّ مَسْأَلَةَ العَدْلِ لَيْسَتْ نَظَرِيَّةً بَلْ مَعْشُوشَةً. مَنْ يَعْمَلُ أَكْثَرَ وَيَأْخُذُ أَقَلَّ؟ مَنْ يُولَدُ في الحَيِّ الفَقِيرِ وَيَمُوتُ فِيهِ بِلا خِيَار؟ مَنْ يُحَاكَمُ بِقَانُونٍ لا يَحْمِيهِ؟ مَنْ يُهْجَرُ مِنْ أَرْضِهِ بِاسْمِ السِّلْمِ؟ هٰؤُلَاءِ لَيْسُوا أَرْقَامًا في تَقْرِير, بَلْ وُجُوهٌ تَسْأَلُ: أَيْنَ العَدْلُ؟ وَالسُّؤَالُ الأَخْطَرُ: هَلِ العَدْلُ مُمْكِنٌ؟ أَمْ أَنَّهُ حُلْمٌ نَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ الغَارِقُ بِقِشَّة؟ الإِجَابَةُ, وَكَمَا عَلَّمَنَا الفَلَاسِفَةُ, لَيْسَتْ في النَّتِيجَةِ بَلْ في المَسِيرَةِ. العَدْلُ لَيْسَ مَحَطَّةً نَصِلُ إِلَيْهَا, بَلْ اِتِّجَاهٌ نَمْشِي نَحْوَهُ. كُلُّ خُطْوَةٍ عَادِلَةٍ تَقْرُبُنَا, حَتَّى لَوْ لَمْ نَصِلْ. وَكُلُّ صَمْتٍ عَنِ الظُّلْمِ يُبْعِدُنَا, حَتَّى لَوْ ظَنَنْنا أَنَّنَا في مَكانِنَا. وَأَعْجَبُ مَا في العَدْلِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ لِيَكْمُلَهُ: حِسَّ الجَمَال. نَعَم, الجَمَال. فَلَيْسَ كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ جَمِيلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا هُوَ جَمِيلٌ عَادِلٌ. وَلكِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَفْقِدُ حِسَّ الجَمَالِ, يَفْقِدُ مَعَهُ قُدْرَتَهُ عَلَى أَنْ يَتَخَيَّلَ العَدْلَ. فَمَا الجَمَالُ؟ وَهَلْ لَهُ مَكَانٌ في زَمْنِنَا هٰذَا؟ 📌 فِي الحَلْقَةِ القَادِمَةِ: سَنَدْخُلُ عَالَمًا نَاسِيَهُ العَصْرُ: عَالَمَ الجَمَالِ. لَيْسَ جَمَالَ الوُجُوهِ وَالأَلْوَانِ فَحَسْب, بَلْ جَمَالَ الحَقِيقَةِ وَالفِكْرَةِ وَالحَيَاةِ. هَلِ الجَمَالُ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّةٌ أَمْ تَرَفٌ؟ وَلِمَاذَا يَخَافُ الطُّغَاةُ مِنَ الجَمِيل؟ رِحْلَةٌ نَادِرَةٌ, فَأَرْجُو أَلَّا تَفُوتَكُم. وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا. فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي. كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.

Ahmed Ali

Studio of Phronesis

فن رؤية الفجوة وإغلاقها ببراعة.

أكاديميٌّ، ومهندسُ أنظمة، ومتخصصٌ في القيادة والإدارة. أُسهم في بناء الأنظمة الملائمة، وتقديم المشورة، والتدريب، للمؤسسات التي لم تعد ترضى ببقاء الخلل، وتسعى إلى استدراك الفجوة.

© 2026 Ahmed Ali, Studio of Phronesis. جميع الحقوق محفوظة.

العين · أبوظبي · الإمارات العربية المتحدة