كل الحلقات

Echoes of Wisdom · حلقة 12 · الموسم الثاني

English

الجَمَالُ في زَمَنِ البَشَاعَة

Beauty in the Age of Ugliness

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ. هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً. الحَلْقَةُ الرَّابِعَةُ: الجَمَالُ في زَمَنِ البَشَاعَة السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ المقدّمة في الحَلْقَةِ المَاضِيَةِ، سَأَلْنا عَنِ العَدْلِ وَاكْتَشَفْنا أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ قِسْمَةٍ عَادِلَةٍ, بَلْ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الحَضَارَةِ. وَخَتَمْنا بِسُؤَالٍ غَيْرِ مُتَوَقَّع: هَلْ يَحْتَاجُ العَدْلُ إِلَى الجَمَالِ؟ اليَوْمَ نُجِيبُ, بِرِحْلَةٍ في أَخْفَى أَسْئِلَةِ الفِلْسَفَةِ وَأَكْثَرِهَا إِغْفَالًا. تَخَيَّلْ مَدِينَةً كُلُّ مَبَانِيهَا خَرْسَاءُ. كُلُّهَا رَمَادِيَّة. لا نَقْشَ في جِدَار، وَلا زَهْرَةَ في شُرْفَة، وَلا طِفْلًا يَرْسِمُ عَلَى الرَّصِيف. مَدِينَةٌ تُؤَدِّي كُلَّ وَظَائِفِهَا, تُوصِلُ المَاءَ وَتَفْتَحُ المَدَارِسَ وَتُنَظِّمُ المُرُور, وَلَكِنَّهَا مَيْتَةٌ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا بِلا جَمَال. فَالجَمَالُ لَيْسَ زِينَةً زَائِدَةً, إِنَّهُ الرُّوحُ الَّتِي تَنْفُخُ في الهَيْكَلِ حَيَاةً. أَفْلَاطُون: الجَمَالُ وَالحَقُّ وَاحِدٌ عِنْدَ أَفْلَاطُون, ذِيِّ مَعْرِكَةِ الكَهْفِ الَّتِي رَكِبْنَاهَا مَعًا, الجَمَالُ لَيْسَ مُجَرَّدَ لَذَّةٍ بَصَرِيَّة. إِنَّهُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الحَقِّ. يَقُولُ: كُلُّ جَمِيلٍ حَقٌّ، وَكُلُّ حَقٍّ جَمِيلٌ. لا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا, فَكِلَاهُمَا صَدَى لِلنُّورِ الأَسَاسِيّ. وَمَنْ يَرَى الجَمَالَ بِعَيْنِ العَقْلِ, لا بِعَيْنِ الجَسَدِ وَحْدَهَا, فَإِنَّهُ يَرَى الحَقِيقَةَ نَفْسَهَا. وَهٰذَا يَعْنِي شَيْئًا مُزْعِجًا: أَنَّ البَشَاعَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَدَمِ الجَمَال, بَلْ هِيَ تَشْوِيهٌ لِلْحَقِّ. حِينَ نَبْنِي مُجْتَمَعًا بِلا جَمَالٍ, فَإِنَّنَا لا نَحْرِمُ النَّاسَ مِنَ الزِّينَةِ فَحَسْب، بَلْ نَحْرِمُهُمْ مِنْ رُؤْيَةِ الحَقِيقَةِ. وَمَنْ لا يَرَى الحَقِيقَةَ, يَسْهُلُ خِدَاعُهُ. وَمَنْ يُخْدَعُ, يَسْهُلُ اسْتِعْبَادُهُ. أَلَيْسَ هٰذَا مَا حَذَّرَنَا مِنْهُ أَصْحَابُ الكَهْفِ؟ الرُّومِيّ: الجَمَالُ في العَيْنِ الدَّاخِلِيَّة وَمِنْ أَفْلَاطُونَ نَعْبُرُ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ الرُّومِيّ, ذٰلِكَ الشَّاعِرِ الفَارِسِيّ الَّذِي جَعَلَ مِنَ الجَمَالِ رِحْلَةً دَاخِلِيَّةً لا خَارِجِيَّةً. يَقُولُ الرُّومِيّ: «لَيْسَ الجَمَالُ في الوَجْهِ, بَلْ في النَّظْرَةِ». أَيْ أَنَّ الجَمَالَ لَيْسَ مَا تَرَاهُ عَيْنَاكَ, بَلْ مَا تُبْصِرُهُ رُوحُكَ. وَمَنْ لا يَرَى الجَمَالَ في وَجْهِ الآخَرِ, فَلَيْسَ الوَجْهُ قَبِيحًا، بَلِ القَلْبُ أَعْمَى. وَيَضِيفُ الرُّومِيُّ بُعْدًا آخَرَ: الجَمَالُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الجَمَالُ المُشْتَرَكُ. لَيْسَ جَمَالَ المَرْآةِ الَّتِي تُعْجِبُكَ وَحْدَكَ, بَلْ جَمَالَ المَشْهَدِ الَّذِي يُوقِظُ في كُلِّ مَنْ يَرَاهُ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنَ اللَّذَّةِ. الجَمَالُ عِنْدَ الرُّومِيّ صَدَى لِلْحُبِّ الإِلَهِيّ, وَكُلُّ جَمَالٍ في العَالَمِ إِنَّمَا هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى ذٰلِكَ الأَصْلِ. أَدُورْنُو: حِينَ يَكُونُ الجَمَالُ مُقَاوَمَة وَفي القَرْنِ العِشْرِينَ، أَطْلَقَ الفَيْلَسُوفُ الأَلْمَانِيُّ تِيُودُور أَدُورْنُو فِكْرَةً صَادِمَةً: «لا يُوجَدُ حَقٌّ صَحِيحٌ بِلا جَمَالٍ». وَالمُرَادُ: أَنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي تُقَدَّمُ بِلُغَةٍ بَشِعَةٍ, جَافَّةٍ، آلِيَّةٍ، خَالِيَةٍ مِنَ الإِنْسَانِيَّةِ, لَيْسَتْ حَقِيقَةً كَامِلَةً. العَدْلُ الَّذِي لا يَحْمِلُ جَمَالَ الرَّحْمَةِ, عَدْلٌ آلِيٌّ. وَالْحَقُّ الَّذِي لا يُحَسُّ, حَقٌّ أَصَمُّ. أَدُورْنُو عَاشَ في زَمَنِ النَّازِيَّةِ. رَأَى كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْبَشَاعَةِ أَنْ تُصَاغَ بِلُغَةِ النِّظَامِ وَالانْضِبَاط. رَأَى المُعَسْكَرَاتِ المُهَنْدَسَةَ بِدِقَّةٍ, خَطُوطٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وَأَبْنِيَةٌ مُتَمَاثِلَةٌ، وَقَانُونٌ صَارِمٌ. بَشَاعَةٌ مُقَنَّعَةٌ بِالنِّظَام. وَمِنْ هُنَا فَهِمَ: الطُّغَاةُ يَكْرَهُونَ الجَمَالَ, لِأَنَّ الجَمَالَ يُوقِظُ في الإِنْسَانِ شَيْئًا لا يُمْكِنُ اسْتِعْبَادُهُ. الجَمَالُ يُذَكِّرُكَ أَنَّكَ أَكْثَرُ مِنْ آلَةٍ. وَأَنَّ حَيَاتَكَ أَكْبَرُ مِنْ وَظِيفَتِهَا. الجَمَالُ الَّذِي نَفْقِدُهُ وَفي عَصْرِنَا, صَارَ الجَمَالُ سِلْعَةً. يُبَاعُ في زَجَاجَاتِ العِطْر وَعَلَى وَاجِهَاتِ المَجَلَّات. صَارَ جَمَالَ المَظْهَرِ لا جَمَالَ المَخْبَر. جَمَالًا يُسْتَهْلَكُ لا يُعَاشُ. وَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في السُّوقِ, بَلْ في أَنَّنَا صِرْنَا لا نَعْرِفُ جَمَالًا آخَرَ. صَارَ أَكْثَرُنَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الجَمَالَ مَا يُبَاع, وَنَسِيَ أَنَّ أَجْمَلَ مَا في الحَيَاةِ لا يُمْلَكُ: نَظْرَةُ أُمّ، وَصَوْتُ مَطَر، وَصَمْتُ فَجْر، وَكَلِمَةُ صِدْقٍ في وَجْهِ ظَالِم. وَلَكِنَّ الجَمَالَ, كَمَا عَلَّمَنَا أَفْلَاطُون وَالرُّومِيّ وَأَدُورْنُو, لَيْسَ حِلْيَةً. هُوَ مُقَاوَمَةٌ. هُوَ أَنْ تَرَى العَالَمَ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ, لا كَمَا فَرَضُوا عَلَيْكَ أَنْ تَرَاهُ. وَمَنْ يَحْفَظُ عَيْنَهُ عَلَى الجَمَالِ, يَحْفَظُ قَلْبَهُ عَلَى الحَقِّ. وَمَنْ يَفْقِدُ الجَمَالَ, يَسْهُلُ أَنْ يَقْبَلَ البَشَاعَةَ كَأَمْرٍ عَادِيٍّ. وَهٰذَا, بِعَيْنِهِ, أَخْطَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ أُمَّةً: أَنْ تَعْتَادَ البَشَاعَةَ فَتَنْسَى أَنَّهَا بَشَاعَةٌ. وَمِنَ الجَمَالِ, ذٰلِكَ الجَمَالِ الَّذِي يُوقِظُ الرُّوحَ, إِلَى مَا هُوَ أَعْمَقُ: الحُبّ. فَإِنْ كَانَ الجَمَالُ يُرَى, فَالحُبُّ يُعَاش. وَإِنْ كَانَ الجَمَالُ يُوقِظُ, فَالحُبُّ يُحَوِّلُ. فَمَا الحُبُّ مِنْ زَاوِيَةٍ فَلْسَفِيَّة؟ وَهَل يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ بِعَقْلِنَا قَبْلَ أَنْ نَعِيشَهُ بِقُلُوبِنَا؟ 📌 فِي الحَلْقَةِ القَادِمَةِ: الحُبُّ, ذٰلِكَ الكَلِمَةُ الَّتِي نَرْدُدُهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَكِنَّنَا قَلِيلًا مَا نَفْهَمُهَا. مَا الحُبُّ بَعْدَ أَنْ تَنْزِعَ عَنْهُ أَفْلَامَ السِّينَمَا وَأَغَانِي الرَّادِيُو؟ هَل هُوَ شُعُورٌ عَابِرٌ أَمْ مَوْقِفٌ وُجُودِيٌّ؟ سَنَسْمَعُ أَفْلَاطُون وَابْنَ عَرَبِي وَإِرِيك فُرُوم في حِوَارٍ لا يُفَوَّت. وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا. فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي. كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.

Ahmed Ali

Studio of Phronesis

فن رؤية الفجوة وإغلاقها ببراعة.

أكاديميٌّ، ومهندسُ أنظمة، ومتخصصٌ في القيادة والإدارة. أُسهم في بناء الأنظمة الملائمة، وتقديم المشورة، والتدريب، للمؤسسات التي لم تعد ترضى ببقاء الخلل، وتسعى إلى استدراك الفجوة.

© 2026 Ahmed Ali, Studio of Phronesis. جميع الحقوق محفوظة.

العين · أبوظبي · الإمارات العربية المتحدة