كل الحلقات

Echoes of Wisdom · حلقة 16 · الموسم الثاني

English

الأَمَلُ في عَصْرِ اليَأْس

Hope in the Age of Despair

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ. هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً. الحَلْقَةُ الثَّامِنَةُ: الأَمَلُ في عَصْرِ اليَأْس السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ المقدّمة أَيُّهَا الأَصْدِقَاءُ, رِفَاقَ الرِّحْلَة, هٰذِهِ هِيَ الحَلْقَةُ الأَخِيرَةُ مِنَ المَوْسِمِ الثَّانِي. في المَوْسِمِ الأَوَّلِ، بَدَأْنا بِسُؤَالٍ عَنِ الفَلْسَفَةِ وَخَتَمْنا بِعَوْدَةِ المُفَكِّرِ. في هٰذَا المَوْسِمِ، بَدَأْنا بِالوَعْيِ وَمَشَيْنا خِلَالَ المَعْرِفَةِ وَالآخَرِ وَالعَدْلِ وَالجَمَالِ وَالحُبِّ وَالزَّمَنِ وَالمَوْت, حَتَّى وَصَلْنا إِلَى هُنَا. إِلَى السُّؤَالِ الأَخِير. السُّؤَالِ الَّذِي بِهِ تَبْدَأُ كُلُّ رِحْلَة وَبِهِ تَخْتَتِم: هَلْ يَبْقَى أَمَلٌ؟ تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَقِفُ في مَدِينَةٍ مُدَمَّرَة. البُنْيَانُ خَرِبٌ، وَالطُّرُقَاتُ مُمَزَّقَة، وَالنَّاسُ يَمْشُونَ بِلا وِجْهَة. تَنْظُرُ حَوْلَكَ فَلا تَرَى شَيْئًا يُشْبِهُ الحَيَاةَ الَّتِي عَرَفْتَهَا. وَلكِنْ, فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَة, طِفْلٌ يَرْسِمُ بِقَلَمٍ مَكْسُور عَلَى جِدَار مُتَهَدِّم شَمْسًا صَفْرَاء. هٰذَا, بِعَيْنِهِ, هُوَ الأَمَل. لَيْسَ وَهْمًا. لَيْسَ تَفَاؤُلًا سَاذَجًا. بَلْ فِعْلٌ. فِعْلُ أَنْ تَرْسُمَ شَمْسًا حِينَ لا شَمْسَ. كَامُو: سِيزِيفُ السَّعِيد في مُنْتَصَفِ القَرْنِ العِشْرِينَ, وَأُورُوبَّا تَخْرُجُ مِنْ حَرْبَيْنِ عَالَمِيَّتَيْن, كَتَبَ أَلْبِير كَامُو أَمْتَعَ مَا كُتِبَ عَنِ الأَمَل. لَمْ يَقُلْ: كُونُوا مُتَفَائِلِين. بَلْ قَالَ شَيْئًا أَقْسَى وَأَجْمَل: تَخَيَّلْ رَجُلًا يَدْفَعُ صَخْرَةً إِلَى قِمَّةِ الجَبَل. حِينَ يَصِلُ, تَهْوِي الصَّخْرَةُ إِلَى الحَضِيض. فَيَنْزِلُ وَيَدْفَعُهَا مُجَدَّدًا. وَهٰكَذَا إِلَى الأَبَد. هٰذَا هُوَ سِيزِيف, ذٰلِكَ المُعَاقَبُ الإِغْرِيقِيّ الَّذِي صَارَ رَمْزًا لِلإِنْسَانِ. وَلكِنْ, كَامُو يَضِيفُ جُمْلَةً تُغَيِّرُ كُلَّ شَيْء: «يَجِبُ أَنْ نُصَوِّرَ سِيزِيفَ سَعِيدًا». سَعِيدًا! كَيْفَ؟ لِأَنَّهُ يَعْرِف. يَعْرِفُ أَنَّ الصَّخْرَةَ سَتَهْوِي. يَعْرِفُ أَنَّ الجَهْدَ سَيَذْهَبُ سُدًى. وَمَعَ ذٰلِكَ, يَدْفَع. هٰذَا هُوَ الأَمَلُ الحَقِيقِيّ: لَيْسَ أَنْ تَنْتَظِرَ نَتِيجَةً, بَلْ أَنْ تَفْعَلَ بِكَرَامَةٍ حَتَّى لَوْ لَمْ تَأْتِ النَّتِيجَةُ. الأَمَلُ لَيْسَ رَهَانًا عَلَى المُسْتَقْبَل, بَلْ مَوْقِفٌ مِنَ الحَاضِر. بْلُوخ: مَبْدَأُ الأَمَل وَفي الجَانِبِ الآخَرِ مِنْ أَلْمَانِيَا، كَتَبَ إِرْنْسْت بْلُوخ, ذٰلِكَ الفَيْلَسُوفُ المَارْكْسِيّ الَّذِي فَرَّ مِنَ النَّازِيَّة, أَضْخَمَ كِتَابٍ عَنِ الأَمَل في تَارِيخِ الفِلْسَفَة: «مَبْدَأُ الأَمَل». يَقُولُ بْلُوخ: الإِنْسَانُ كَائِنٌ يَتَوَقَّع. لَيْسَ فَقَطْ كَائِنًا يُفَكِّرُ أَوْ يَعْمَلُ, بَلْ كَائِنًا يَتَطَلَّعُ إِلَى مَا لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَهٰذَا التَّوَقُّعُ لَيْسَ ضَعْفًا, بَلْ هُوَ القُوَّةُ الَّتِي بِهَا صَنَعَ الإِنْسَانُ كُلَّ شَيْء: الفَنَّ، وَالثَّوْرَات، وَالْحُلُمَ بِعَالَمٍ أَفْضَل. بْلُوخ يُمَيِّزُ بَيْنَ أَمَلَيْن: الأَمَلُ السَّلْبِيّ, وَهُوَ الانْتِظَارُ السَّلِب، أَنْ تَجْلِسَ وَتَنْتَظِرَ أَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْءٌ. وَالأَمَلُ الإِيجَابِيّ, وَهُوَ الْمُشَارَكَة، أَنْ تَبْنِيَ مَا تَتَوَقَّعُهُ بِيَدَيْكَ. الأَوَّلُ حُلْمٌ يُيقِظُ صَاحِبَهُ. وَالثَّانِي فِعْلٌ يُغَيِّرُ العَالَمَ. وَالقُرْآن يَقُولُ: «إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». أَيْ أَنَّ التَّغْيِيرَ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِل, وَالأَمَلُ الإِيجَابِيّ هُوَ أَنْ تَبْدَأَ بِنَفْسِكَ. الأَمَلُ مُقَاوَمَة وَفي أَرْضِنَا, أَرْضِ العَرَب, الأَمَلُ لَيْسَ نَظَرِيَّةً. هُوَ مُقَاوَمَة. طِفْلٌ في غَزَّة يَذْهَبُ إِلَى مَدْرَسَةٍ بِلا سَقْف, هٰذَا أَمَل. طَبِيبٌ في مُخَيَّم يُعَالِجُ بِلا دَوَاء, هٰذَا أَمَل. شَاعِرٌ يَكْتُبُ قَصِيدَةً وَرَاءَ الجِدَار, هٰذَا أَمَل. أُمٌّ تُغَنِّي لِطِفْلِهَا وَقَنْبِلَةٌ تَسْقُطُ, هٰذَا أَمَل. ليس لأنهم سُذَّج, بَلْ لأنهم يَرْفَضُونَ أَنْ يُطَبِّقَ المَوْتُ سُلْطَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ. وَالأَمَلُ كَمُقَاوَمَة لا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ أَفْضَل. لا, هٰذَا تَفَاؤُلٌ سَاذَج. الأَمَلُ الحَقِيقِيّ يَقُولُ: قَدْ لا يَكُونُ أَفْضَل, وَلَكِنِّي سَأَفْعَلُ مَا أَسْتَطِيعُ. سَأُحِبُّ رَغْمَ الفَقْد. سَأَبْنِي رَغْمَ الخَرَاب. سَأُعَلِّم رَغْمَ الجَهْل. سَأَقُولُ الحَقَّ رَغْمَ الخَوْف. وَلَيْسَ هٰذَا تَمَرُّدًا عَلَى الوَاقِع, بَلْ هُوَ أَنْ تَرْفَضَ أَنْ يَكُونَ الوَاقِعُ كُلَّ شَيْء. خَاتِمَةُ الرِّحْلَة وَالآنَ, بَعْدَ سِتَّ عَشْرَةَ حَلْقَةً في مَوْسِمَيْن, أَقِفُ مَعَكُم عِنْدَ مُلَخَّصِ الرِّحْلَة. في المَوْسِمِ الأَوَّلِ تَعَلَّمْنا أَنْ نَسْأَل وَأَنْ نَرَى وَأَنْ نَتَحَرَّر وَأَنْ نَعُود مُفَكِّرِين. في المَوْسِمِ الثَّانِي تَعَلَّمْنا أَنَّ الوَعْيَ يَبْدَأُ بِالشَّكّ الصَّادِق، وَأَنَّ الآخَرَ مِعْرَاجٌ لا عَقَبَة، وَأَنَّ العَدْلَ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّة، وَأَنَّ الجَمَالَ مُقَاوَمَة، وَأَنَّ الحُبَّ فَنٌّ وَفَلْسَفَة، وَأَنَّ الزَّمَنَ أَمَانَة، وَأَنَّ المَوْتَ مِفْتَاحُ الحَيَاة، وَأَنَّ الأَمَلَ, حَتَّى حِينَ يَبْدُو مُسْتَحِيلًا, هُوَ أَقْوَى مَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَان. وَهٰذَا هُوَ الخَيْطُ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ شَيْء: مِنَ السُّؤَالِ إِلَى الوَعْيِ، مِنَ الوَعْيِ إِلَى الآخَرِ، مِنَ الآخَرِ إِلَى العَدْلِ، مِنَ العَدْلِ إِلَى الجَمَالِ، مِنَ الجَمَالِ إِلَى الحُبِّ، مِنَ الحُبِّ إِلَى الزَّمَنِ، مِنَ الزَّمَنِ إِلَى المَوْتِ، مِنَ المَوْتِ إِلَى الأَمَلِ, ثُمَّ مِنَ الأَمَلِ إِلَى السُّؤَالِ مُجَدَّدًا. لأَنَّ الأَمَلَ الحَقِيقِيّ لا يُغْلِقُ بَابًا, بَلْ يَفْتَحُهُ. وَلا يُنْهِي رِحْلَةً, بَلْ يَبْدَؤُهَا. امْضُوا الآنَ, إِلَى حَيَاتِكُم. كُونُوا الوَعْيَ في زَحامِ الجُمُوع، وَالآخَرَ في وَجْهِ كُلِّ غَرِيب، وَالعَدْلَ في كُلِّ خِيَار، وَالجَمَالَ في كُلِّ لَحْظَة، وَالحُبَّ في كُلِّ عَلاقَة، وَالزَّمَنَ في كُلِّ انْتِبَاه، وَالحَيَاةَ في وَجْهِ المَوْت، وَالأَمَلَ في وَسَطِ اليَأْس. فَلَيْسَ أَجْمَلَ مِنْ إِنْسَانٍ يَعِيشُ بِوَعْي, وَيَمُوتُ بِأَمَل. وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا. فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي. كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.

Ahmed Ali

Studio of Phronesis

فن رؤية الفجوة وإغلاقها ببراعة.

أكاديميٌّ، ومهندسُ أنظمة، ومتخصصٌ في القيادة والإدارة. أُسهم في بناء الأنظمة الملائمة، وتقديم المشورة، والتدريب، للمؤسسات التي لم تعد ترضى ببقاء الخلل، وتسعى إلى استدراك الفجوة.

© 2026 Ahmed Ali, Studio of Phronesis. جميع الحقوق محفوظة.

العين · أبوظبي · الإمارات العربية المتحدة