كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 15 · الموسم الثاني
Englishالمَوْتُ مِفْتَاحُ الحَيَاة
Death Is the Key to Life
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً.
الحَلْقَةُ السَّابِعَةُ: المَوْتُ مِفْتَاحُ الحَيَاة
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
المقدّمة
في الحَلْقَةِ المَاضِيَةِ، تَأَمَّلْنا الزَّمَنَ وَاكْتَشَفْنا أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَاعَةٍ تَدُورُ, بَلْ وَعْيٌ يَعِيشُ. وَخَتَمْنا بِأَنَّ الزَّمَنَ يَنْتَهِي بِالْمَوْت. وَاليَوْمَ, نَقِفُ أَمامَ أَخْطَرِ حَقِيقَةٍ في الوُجُود. لَيْسَ لِنَخَافَ, فَمَنْ ذَا الَّذِي لا يَخَافُ؟, بَلْ لِنَفْهَمَ: مَا المَوْتُ؟ وَهَل هُوَ نِهَايَةُ كُلِّ شَيْء, أَمْ أَنَّهُ الَّذِي يَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ ذَا مَعْنًى؟
تَخَيَّلْ أَنَّكَ عُمُرُكَ أَبَدِيّ. لا مَوْتَ. كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَهُ غَدًا. كُلُّ كَلِمَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَخِّرَهَا. كُلُّ حُبٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَظِر. فَهَلْ سَتَفْعَلُ شَيْئًا أَصْلًا؟ أَمْ أَنَّكَ بِلا مَوْتٍ, بِلا أَجَلٍ, سَتَتَوَقَّفُ عَنِ الحَيَاةِ وَأَنْتَ لا تَدْرِي؟
أَفِيقُورُس: المَوْتُ لا يُؤْلِمُ
في القَرْنِ الثَّالِثِ قَبْلَ المِيلَاد، أَطْلَقَ الفَيْلَسُوفُ اليُونَانِيُّ أَفِيقُورُس كَلِمَةً أَرَادَهَا أَنْ تُطَمْئِن: «المَوْتُ لا شَيْءَ إِلَيْنَا. فَمَا دُمْنَا حَيِّينَ, فَالمَوْتُ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَحِينَ يُوجَدُ المَوْتُ, فَنَحْنُ غَيْرُ مَوْجُودِينَ». هٰذِهِ الحُجَّةُ بَدَتْ لُوجِيَّة: أَنْتَ وَالمَوْتُ لا تَلْتَقِيَانِ. فَلِمَاذَا تَخَافُ مِمَّا لَنْ تُعَايِشَهُ؟
وَلَكِنْ, هَل هٰذَا يُطَمْئِنُكَ حَقًّا؟ المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في أَنَّنَا نَخَافُ مِنَ الأَلَمِ الَّذِي سَنَشْعُرُ بِهِ حِينَ نَمُوت, بَلْ في أَنَّنَا نَخَافُ مِنَ الفَقْد. نَخَافُ أَنْ نَفْقِدَ مَنْ نُحِبُّ. نَخَافُ أَنْ تَبْقَى أَشْيَاؤُنَا بِلا أَحَد. نَخَافُ أَنْ يَمْضِيَ العَالَمُ بِلا نَا كَأَنَّنَا لمْ نَكُنْ. وَهٰذَا الخَوْفُ لا يُحَلُّ بِاللُّوجِيك, بَلْ بِالمَعْنَى. فَإِنْ وَجَدْتَ مَعْنًى لِحَيَاتِكَ, صَارَ المَوْتُ أَقَلَّ رُعْبًا لا لِأَنَّهُ اخْتَفَى, بَلْ لِأَنَّكَ وَجَدْتَ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُخْتَمَ بِهِ الحَيَاة.
هَايْدِغِر: الوُجُودُ نَحْوَ المَوْت
وَفي القَرْنِ العِشْرِينَ، قَلَبَ مَارْتِن هَايْدِغِر المَسْأَلَةَ رَأْسًا عَلَى عَقِب. لمْ يَقُلْ: لا تَخَفْ مِنَ المَوْت. بَلْ قَالَ شَيْئًا أَعْمَقَ وَأَخْطَر: تَوَجَّهْ نَحْوَ المَوْتِ. هَايْدِغِر يُسَمِّي هٰذَا «الكَيْنُونَةَ نَحْوَ المَوْتِ», أَيْ أَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الكَائِنُ الوَحِيدُ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَمُوت. وَهٰذَا المَعْرِفَةُ لَيْسَتْ نَقِيصَة, بَلْ هِيَ أَعْظَمُ مَا يَمْلِكُهُ.
لِمَاذَا؟ لِأَنَّ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَمُوتُ, يَسْأَلُ: مَاذَا أَصْنَعُ بِالوَقْتِ الَّذِي بَقِيَ لِي؟ وَمَنْ يَسْأَلُ هٰذَا السُّؤَالَ, يَبْدَأُ حَقِيقِيًّا بِالحَيَاةِ. المَوْتُ لا يُبَطِّلُ الحَيَاةَ, بَلْ يُفْعِلُهَا. كَمَا أَنَّ الإِطَارَ لا يُبَطِّلُ اللَّوْحَةَ, بَلْ يُعْطِيهَا شَكْلَهَا وَمَعْنَاهَا.
وَهَايْدِغِر يُحَذِّرُ مِنْ شَيْءٍ: «السُّقُوطِ في اليَوْمِيّ». أَنْ تَعِيشَ كَأَنَّكَ خَالِدٌ. أَنْ تُؤَجِّلَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى غَد. أَنْ تَنْسَى أَنَّكَ فَانٍ, فَتَعِيشَ حَيَاةً مُسَطَّحَةً لا عُمْقَ فِيهَا. مَنْ يَنْسَى المَوْتَ, يَفْقِدُ الحَيَاةَ. وَمَنْ يَسْتَحْضِرُهُ, يَجِدُ الحَيَاةَ أَوَّلَ مَرَّة.
الإِسْلَامُ وَالمَوْت: لِلَّهِ ما أَخَذَ
وَفي الإِسْلَامِ، المَوْتُ لَيْسَ عَدَمًا, بَلْ انْتِقَال. وَلَيْسَ هَرَبًا مِنَ الحَيَاةِ, بَلْ تَذْكِيرٌ بِهَا. أَعْظَمُ صَلَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَيِّتِ تَبْدَأُ بِكَلِمَتَيْنِ: «لِلَّهِ ما أَخَذَ وَلِلَّهِ ما أَعْطَى». هٰذَا ليست تعزية فحسب, إنها فلسفة. مَعْنَاهَا: أَنْتَ لا تَمْلِكُ. وَمَا لا تَمْلِكُهُ لا يُمْكِنُ أَنْ تَفْقِدَهُ حَقًّا. وَإِنَّمَا اسْتُوْدِعْتَهُ أَمَانَةً, وَالأَمَانَةُ تُرَدُّ لِصَاحِبِهَا.
وَالقُرْآنُ يُكَرِّرُ: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْت». لا اسْتِثْنَاء. لا حَصَانَة. الغَنِيُّ وَالفَقِير، الحَاكِمُ وَالمَحْكُوم، الصَّحِيحُ وَالمَرِيض, جَمِيعُهُمْ في طَرِيقٍ وَاحِد. وَهٰذَا التَّكْرَارُ لَيْسَ قَسْوَةً, بَلْ عَدْلٌ. عَدْلٌ كَوْنِيّ يُذَكِّرُنَا أَنَّنَا في قَارِبٍ وَاحِد، وَأَنَّ الأَهَمَّ مِنْ مُدَّةِ الرِّحْلَةِ هُوَ مَا نَصْنَعُ فِيهَا.
المَوْتُ الَّذِي نَعِيشُهُ كُلَّ يَوْم
وَالعَجِيبُ أَنَّنَا لا نَحْتَاجُ أَنْ نَنْتَظِرَ المَوْتَ الكَبِيرَ لِنُوَاجِهَهُ. نَحْنُ نَمُوتُ مَوَاتٍ صِغَارًا كُلَّ يَوْم. كُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ بِلا وَعْيٍ, مَوْتٌ صَغِير. كُلُّ يَوْمٍ يَنْقَضِي بِلا مَعْنًى, مَوْتٌ صَغِير. كُلُّ عَلَاقَةٍ تَمُوتُ بِلا وَدَاع, مَوْتٌ صَغِير. وَالمَوْتُ الكَبِيرُ لَيْسَ إِلّا تَتْوِيجًا لِتِلْكَ المَوَاتِ الصِّغَار.
وَلَكِنْ, كَمَا عَلَّمَنَا فَرانْكَل في المَوْسِمِ الأَوَّلِ, المَعْنَى يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ حَتَّى في أَقْسَى اللَّحَظَات. وَالْحَيَاةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ جَمِيلَةً لا رَغْمَ المَوْت, بَلْ بِسَبَبِهِ. لأَنَّ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ فَانٍ, يُحِبُّ أَكْثَر. وَمَنْ يُحِبُّ أَكْثَرَ, يَعِيشُ أَكْثَر. وَهٰذَا هُوَ المُفَارِقُ العَظِيم: المَوْتُ لا يُبْطِلُ الحَيَاةَ, بَلْ يُعْطِيهَا مَعْنَاهَا.
وَبَعْدَ المَوْتِ, يَبْقَى سُؤَالٌ وَاحِد: هَل يَبْقَى أَمَلٌ؟ في عَالَمٍ يَمُوتُ فِيهِ الأَبْرَارُ وَيَنْجُو الطُّغَاة، في عَالَمٍ تُدَمَّرُ فِيهِ بُلْدَانٌ وَتُبْنَى أَبْرَاجٌ عَلَى رُكَامِهَا, هَلْ مِنْ أَمَلٍ حَقِيقِيٍّ لا كَذُوبٍ؟ هٰذَا سُؤَالُ خَاتِمَتِنَا, وَمَوْعِدُنَا في الحَلْقَةِ الأَخِيرَةِ.
📌 فِي الحَلْقَةِ القَادِمَةِ, الأَخِيرَةِ:
سَنَسْأَلُ السُّؤَالَ الأَخِيرَ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ كُلِّ شَيْء: هَلِ الأَمَلُ وَهْمٌ أَمْ حَقِيقَةٌ؟ أَلْبِيرْ كَامُو سَيَقِفُ مَعَنَا أَمامَ صَخْرَتِهِ الأَبَدِيَّة، وَإِرْنْسْت بْلُوخ سَيُحَدِّثُنَا عَنْ «مَبْدَإِ الأَمَلِ»، وَسَنَسْمَعُ أَصْوَاتًا مِنْ بَيْنِ الرُّكَامِ تُخْبِرُنَا أَنَّ الأَمَلَ لَيْسَ نِعْمَةً, بَلْ مُقَاوَمَة. حَلْقَةٌ تَخْتِمُ الرِّحْلَةَ, فَلا تَفُوتُوكُم.
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
