كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 9 · الموسم الثاني
Englishمَتَى يَبْدَأُ الوَعْيُ؟
When Does Awareness Begin?
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً.
الحَلْقَةُ الأُولَى: مَتَى يَبْدَأُ الوَعْيُ؟
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
المقدّمة
أَيُّهَا الأَصْدِقَاءُ, أَهْلَ التَّأَمُّلِ وَالبَصِيرَةِ, أَهْلًا بِكُمْ في مَوْسِمٍ جَدِيدٍ مِنْ رِحْلَةِ «أَصْدَاءِ الحِكْمَةِ». في المَوْسِمِ الأَوَّلِ، مَشَيْنَا مَعًا ثَمَانِيَ حَلَقَات: سَأَلْنا لِماذا الفَلْسَفَةُ، وَدَخَلْنا كَهْفَ أَفْلَاطُونَ، وَرَافَقْنا ابْنَ رُشْدٍ، وَوَاجَهْنا الطَّاغِيَةَ الَّذِي فِينَا، وَتَسَاءَلْنا عَنِ الحُرِّيَّةِ وَاللُّغَةِ وَالرُّوحِ, حَتَّى عُدْنا إِلَى المُفَكِّرِ الَّذِي يَسْكُنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا.
وَالآنَ, بَعْدَ أَنْ أَيْقَظْنا ذٰلِكَ المُفَكِّرَ, يَأْتِي السُّؤَالُ الأَخْطَرُ: كَيْفَ نَعْرِفُ أَنَّنا نَعْرِف؟ كَيْفَ نَثِقُ بِمَا نَرَاهُ وَنَسْمَعُهُ وَنُفَكِّرُ فِيهِ؟ هَلْ يَكْفِي أَنْ نَنْظُرَ لِنَعْرِفَ, أَمْ أَنَّ النَّظَرَ نَفْسَهُ قَدْ يَخْدَعُنا؟ وَمَتَى, بِالتَّحْدِيد, يَبْدَأُ الوَعْيُ؟
تَخَيَّلْ أَنَّكَ جَلَسْتَ أَمامَ مِرْآةٍ صَغِيرَةٍ في غُرْفَةٍ مُظْلِمَة. تَنْظُرُ في المِرْآةِ فَتَرَى وَجْهَكَ, لَكِنَّكَ لا تَرَى الغُرْفَةَ. لا تَرَى مَنْ وَرَاءَكَ. لا تَرَى إِلّا مَا تُرِيدُهُ المِرْآةُ أَنْ تُرِيَكَ. هَلْ هٰذِهِ مِرْآةٌ أَمْ سِجْنٌ؟ وَهَل مَا تَرَاهُ عَيْنَاكَ حَقِيقَةٌ, أَمْ أَنَّهُ أَقَلُّ مِمَّا تَظُنُّ وَأَكْثَرُ مِمَّا تَتَخَيَّلُ؟
اليَقِينُ الَّذِي اهْتَزَّ
في مُطْلَعِ القَرْنِ الحَادِي عَشَرَ المِيلَادِيّ، جَلَسَ رَجُلٌ في غُرْفَةٍ بَارِدَةٍ في هُولَنْدَا وَقَرَّرَ أَنْ يُهْدِمَ كُلَّ شَيْء. رِينِيه دِيكَارْت, ذٰلِكَ الفَيْلَسُوفُ الَّذِي كَانَ رِيَاضِيًّا وَعَالِمًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مُتَأَمِّلًا, لَمْ يَكْتَفِ بِالشَّكّ العَابِر. هُوَ لَمْ يَقُلْ: «قَدْ أَكُونُ مُخْطِئًا». بَلْ قَالَ شَيْئًا أَخْطَر: «سَأَفْتَرِضُ أَنَّ كُلَّ شَيْء أَعْرِفُهُ خَطَأٌ, حَتَّى يَثْبُتَ غَيْرُ ذٰلِكَ
أَيُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَهْمًا؟ حَوَاسُّكَ؟ نَعَمْ, فَالْعَصَا في المَاءِ تَبْدُو مَكْسُورَةً وَلَيْسَتْ كَذٰلِكَ. أَحْلامُكَ؟ نَعَمْ, فَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ حَلَمْتَ أَنَّكَ صَاحٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظْتَ. حَوَارُ الجُمُوعِ حَوْلَكَ؟ بِالتَّأْكِيد, فَقَدْ رَأَيْنا في المَوْسِمِ الأَوَّلِ كَيْفَ تَصْنَعُ الجُمُوعُ وَهْمًا جَمَاعِيًّا يَنْطَوِي عَلَى الكَذِبِ وَالْقَطِيعَة. إِذَنْ, مَا البَاقِي؟ مَا الثَّابِتُ الَّذِي لا يَهْتَزّ؟
وَهُنَا أَطْلَقَ دِيكَارْتُ كَلِمَتَهُ الشَّهِيرَة: «أَنَا أَشُكُّ، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ». بَلْ هُوَ أَدَقُّ مِنْ ذٰلِكَ: لأَنَّكَ حِينَ تَشُكُّ, فَلا بُدَّ مِنْ شَاكٍّ. وَحِينَ يُوجَدُ شَاكٍّ, فَقَدْ وُجِدَتْ بِذَاتِهِ حَقِيقَةٌ لا يُمْكِنُ دَحْضُهَا: أَنَّكَ كَائِنٌ يُفَكِّرُ. هٰذَا هُوَ اليَقِينُ الأَوَّل, لا مِنَ الكُتُبِ وَلا مِنَ الحَوَاسّ، بَلْ مِنَ الشَّكِّ نَفْسِهِ.
وَلَكِنْ, وَهٰذَا مُهِمٌّ جِدًّا, دِيكَارْت لَمْ يُرِدْ أَنْ يَبْقَى في الشَّكّ. الشَّكُّ عِنْدَهُ أَداةٌ لا مَسْقَطٌ. هُوَ كَالْمِعْرَفَةِ الَّتِي تُنَظِّفُ الجِدَارَ قَبْلَ أَنْ تُعَادَ صِباغَتُهُ. وَكَمَا قُلْنا في المَوْسِمِ الأَوَّلِ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ: الشَّكّ لَيْسَ ضَعْفًا, بَلْ أَدَاةٌ لِلْوُصُولِ إِلَى اليَقِينِ. وَهٰذَا بِعَيْنِهِ مَا فَعَلَهُ دِيكَارْت: بَدَأَ مِنَ العَدَمِ المَعْرِفِيّ لِيَبْنِيَ عَالَمًا جَدِيدًا مِنَ اليَقِينِ.
قَبْلَ دِيكَارْت: الغَزَالِيُّ وَالشَّكّ المُقَدَّس
وَلَكِنْ, كَمَا هِيَ العَادَةُ في هٰذِهِ الرِّحْلَةِ, لَنْ نَكْتَفِ بِالغَرْب. فَقَبْلَ دِيكَارْت بِقُرُونٍ، عَاشَ الشَّكّ مُقَدَّسًا في تُرَاثِنَا نَحْنُ. تَذَكَّرُوا الغَزَالِيَّ الَّذِي رَافَقْنَاهُ في الحَلْقَةِ السَّابِعَةِ مِنَ المَوْسِمِ الأَوَّلِ, حِينَ تَرَكَ بَغْدادَ وَكُلَّ مَا فِيهَا بَعْدَ أَزْمَةِ يَقِين. الغَزَالِيُّ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا بِمَعْنَى الرَّافِضِ, بَلْ كَانَ شَاكًّا بِمَعْنَى البَاحِث. شَكُّهُ لَمْ يَكُنْ هَدْمًا, بَلْ تَنْقِيَةٌ. وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَنْ أَبْنِيَ بِنَاءً جَدِيدًا حَتَّى أَتَأَكَّدَ أَنَّ الأَسَاسَ لا يَتَشَقَّقُ.
وَالفَرْقُ بَيْنَ شَكِّ الغَزَالِيِّ وَشَكِّ دِيكَارْت يَكْشِفُ عَنْ شَيْءٍ عَمِيق: دِيكَارْت شَكَّ لِيَجِدَ العَقْلَ، وَالغَزَالِيُّ شَكَّ لِيَجِدَ الرُّوحَ. كِلَاهُمَا بَدَأَ مِنَ العَتْمَةِ, لَكِنَّ أَحَدَهُمَا مَضَى نَحْوَ النُّورِ العَقْلِيّ وَالآخَرَ نَحْوَ النُّورِ الرُّوحِيّ. وَكِلَاهُمَا كَانَ مُحِقًّا. لأَنَّ الحَقِيقَةَ, كَمَا عَلِمْنا مِنَ ابْنِ رُشْدٍ, لَيْسَتْ عَقْلًا بِلا رُوحٍ وَلا رُوحًا بِلا عَقْلٍ. إِنَّمَا هِيَ كَالْعَيْنَيْنِ الَّتِي تَرَى بِهِمَا مَعًا أَعْمَقَ مِمَّا تَرَى بِإِحْدَاهُمَا وَحْدَهَا.
الوَعْيُ في عَصْرِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيّ
وَالآنَ, نَعُودُ إِلَى عَصْرِنَا. السُّؤالُ لَيْسَ: هَلْ نَشُكّ؟ فَالشَّكُّ سَهْلٌ في زَمَنِ الإِشَاعَاتِ وَالأَخْبَارِ المُزَوَّرَةِ. السُّؤالُ الأَخْطَرُ هُوَ: هَلْ نَعْرِفُ كَيْفَ نَتَجَاوَزُ الشَّكَّ إِلَى اليَقِينِ؟ هَلْ نَمْلِكُ أَدَوَاتِ المَعْرِفَةِ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ مَا نَعْرِفُهُ حَقًّا وَبَيْنَ مَا نَظُنُّ أَنَّنَا نَعْرِفُهُ؟
تَأَمَّلِ الذَّكَاءَ الاصْطِنَاعِيّ. يُجِيبُ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ بِثِقَةٍ مُطْلَقَةٍ, كَأَنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْء. وَلَكِنْ, هَل يَعْرِفُ؟ أَمْ أَنَّهُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ مَا لُقِّنَهُ فَحَسْب؟ وَهَلِ الثِّقَةُ في الإِجَابَةِ دَلِيلٌ عَلَى المَعْرِفَةِ, أَمْ أَنَّها قَدْ تَكُونَ أَخْطَرَ أَشْكَالِ الجَهْلِ؟ لأَنَّ الجَاهِلَ لا يُغْوِينَا بِجَهْلِهِ, بَلْ بِثِقَتِهِ. وَمَنْ يَقُولُ لَكَ «أَعْرِفُ» بِلا شَكٍّ, قَدْ يَكُونُ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنِ المَعْرِفَةِ.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا في عَصْرِنَا أَنَّ المَعْرِفَةَ صَارَتْ أَكْثَرَ تَيَسُّرًا مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى, وَفِي الوَقْتِ ذَاتِهِ أَضْعَفَ مَا كَانَتْ قَطُّ. تَقْرَأُ مَقَالًا في ثَانِيَةٍ، تُشَاهِدُ مُلَخَّصًا في دَقِيقَة، تَسْتَمِعُ إِلَى بَوْدْكَاسْت, وَتَخْرُجُ بِإِحْسَاسٍ أَنَّكَ عَرَفْتَ. وَلَكِنْ, هَل عَرَفْتَ حَقًّا؟ أَمْ أَنَّكَ اكْتَفَيْتَ بِظِلِّ المَعْرِفَةِ كَمَا اكْتَفَى أَصْحَابُ الكَهْفِ بِظِلِّ الحَقِيقَةِ؟
المَعْرِفَةُ رِحْلَةٌ لا وِصَالَة
وَهُنَا أَقُولُ لَكُمْ شَيْئًا قَدْ يُزْعِجُ بَعْضَكُمْ: المَعْرِفَةُ لَيْسَتْ مُنْتَجًا تَشْتَرِيهِ. لَيْسَتْ مَعْلُومَةً تَحْمِلُهَا في جَيْبِكَ. إِنَّمَا هِيَ حَالَةٌ, حَالَةُ وَعْيٍ يَبْنِيها الإِنْسَانُ بِالشَّكِّ وَالبَحْثِ وَالمُرَاجَعَةِ وَالمُحَاوَرَةِ. كُلَّمَا شَكَكْتَ بِصِدْقٍ, كُلَّمَا سَأَلْتَ بِجُرْأَة, كُلَّمَا رَاجَعْتَ يَقِينَكَ, نَمَا وَعْيُكَ. وَكُلَّمَا اسْتَسْلَمْتَ لِلإِجَابَةِ السَّهْلَة, تَجَمَّدَ وَعْيُكَ كَمَا يَتَجَمَّدُ المَاءُ في الشِّتَاءِ.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا عَلَّمَتْنَا إِيَّاهُ هٰذِهِ الرِّحْلَةُ: أَنَّ الوَعْيَ لا يَبْدَأُ حِينَ تَعْرِفُ, بَلْ حِينَ تَعْرِفُ أَنَّكَ لا تَعْرِفُ. ذٰلِكَ الاِعْتِرَافُ الصَّادِقُ بِالجَهْلِ هُوَ البَابُ الأَوَّلُ لِكُلِّ مَعْرِفَةٍ حَقِيقِيَّة. وَمَنْ يَقُولُ «لا أَعْرِفُ» بِشَجَاعَة, هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الحَقِيقَةِ مِمَّنْ يَقُولُ «أَعْرِفُ» بِغُرُور.
وَلَكِنْ, بَعْدَ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّنَا نَعْرِفُ, يَطْرَحُ نَفْسَهُ سُؤَالٌ آخَرُ أَكْثَرُ إِيلَامًا: مَنِ الآخَرُ الَّذِي يَقِفُ أَمامَنَا؟ هَلْ أَرَاهُ كَمَا هُوَ, أَمْ أَرَى فِيهِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَرَاهُ؟ هَلِ الوَعْيُ بِالذَّاتِ يَكْفِي, أَمْ أَنَّ الحَقِيقَةَ لا تَتِمُّ إِلّا بِالآخَرِ؟
📌 فِي الحَلْقَةِ القَادِمَةِ:
سَنَنْظُرُ في وَجْهٍ يَقِفُ أَمامَنَا, وَجْهٍ نَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَكِنَّنَا نَمُرُّ بِهِ كَأَنَّهُ شَفَافٌ. مَنْ هُوَ الآخَرُ؟ وَهَل يُمْكِنُ أَنْ نَعْرِفَ أَنْفُسَنَا بِدُونِهِ؟ فَلْسَفَةٌ قَدْ تُغَيِّرُ طَرِيقَةَ نَظَرِكُم لِكُلِّ وَجْهٍ تُلَاقُونَهُ, فَلا تَفُوتُوهَا.
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
