كل الحلقات

Echoes of Wisdom · حلقة 10 · الموسم الثاني

English

مَنْ هُوَ الآخَرُ؟

Who Is the Other?

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ. هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً. الحَلْقَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ هُوَ الآخَرُ؟ السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ المقدّمة في الحَلْقَةِ المَاضِيَةِ، تَسَاءَلْنا: مَتَى يَبْدَأُ الوَعْيُ؟ وَاكْتَشَفْنا أَنَّ المَعْرِفَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَبْدَأُ حِينَ نَعْتَرِفُ بِجَهْلِنَا, حِينَ يَصِيرُ الشَّكُّ جِسْرًا لا هُوَّة. وَلَكِنْ, بَعْدَ أَنْ وَجَدْنا اليَقِينَ الأَوَّلَ في ذَوَاتِنَا, يَبْقَى سُؤَالٌ مُزْعِجٌ: هَلْ يَكْفِي أَنْ أَعْرِفَ نَفْسِي؟ أَمْ أَنَّ الحَقِيقَةَ لا تَتِمُّ إِلّا بِمَنْ يَقِفُ أَمامِي؟ تَخَيَّلْ أَنَّكَ وَحْدَكَ في غُرْفَةٍ بِلا مَرْآة. لا أَحَدَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ. لا أَحَدَ يَسْمَعُكَ. لا أَحَدَ يَرُدُّ عَلَيْكَ. كَمْ سَتَبْقَى مُدْرِكًا لِوُجُودِكَ بِلا مَنْ يُثْبِتُهُ؟ الفِلْسَفَةُ تُخْبِرُنَا بِشَيْءٍ مُفَاجِئ: لَسْنَا أَحْرَارًا بِمَفْرِدِنَا. لَسْنَا كَامِلِينَ بِذَوَاتِنَا. إِنَّمَا نَكْمُلُ بِالآخَرِ, أَوْ بِالأَحْرَى: نَكْتَشِفُ بِالآخَرِ مَنْ نَحْنُ. لِيفِينَاس: وَجْهُ الآخَرِ نِدَاءٌ في القَرْنِ العِشْرِينَ، قَدَّمَ فَيْلَسُوفٌ لِيتْوَانِيٌّ مُنْتَمِيٌّ لِلْيَهُودِيَّةِ فِكْرَةً قَلَبَتِ الفِلْسَفَةَ الغَرْبِيَّةَ رَأْسًا عَلَى عَقِب. إِيمَانُوِيل لِيفِينَاس, ذٰلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي عَاشَ أَهْوَالَ المَعْسَكَرَاتِ النَّازِيَّةِ وَفَقَدَ أَهْلَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ, لَمْ يَقُلْ إِنَّ الفِلْسَفَةَ تَبْدَأُ مِنَ الذَّاتِ كَمَا قَالَ دِيكَارْت. بَلْ قَالَ شَيْئًا أَعْمَقَ: الفِلْسَفَةُ تَبْدَأُ مِنَ الآخَرِ. تَأَمَّلْ هٰذِهِ الفِكْرَةَ بِبُطْء. حِينَ تَنْظُرُ في وَجْهِ إِنْسَانٍ آخَرَ, لا تَرَى مُجَرَّدَ صُورَةٍ. أَنْتَ تَرَى نِدَاءً. وَجْهُ الآخَرِ يُخَاطِبُكَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ. يَقُولُ لَكَ: أَنَا هُنَا. أَنَا مُخْتَلِفٌ عَنْكَ. لا تُشَبِّهْنِي بِنَفْسِكَ. لا تُذِبْنِي في رُؤْيَتِكَ. لا تَصْنَعْ مِنِّي أَداةً لِتَحْقِيقِ رَغْبَتِكَ. أَنَا, بِبَسَاطَةٍ, غَيْرُكَ. وَهٰذَا الغَيْرِيُّ هُوَ مَا يُعْطِيكَ مَعْنَاكَ. لِيفِينَاس يَقُولُ: الأَخْلَاقُ لَيْسَتْ فَصْلًا يَأْتِي بَعْدَ الفِلْسَفَةِ, بَلْ هِيَ أَوَّلُ الفِلْسَفَةِ. قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ «مَا الحَقِيقَةُ؟», عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ «مَا مَسْؤُولِيَّتِي تُجَاهَ مَنْ يَقِفُ أَمَامِي؟». وَقَبْلَ أَنْ تَبْحَثَ عَنِ الذَّاتِ, عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَمِعَ لِلآخَرِ. فَالآخَرُ لَيْسَ عَقَبَةً أَمامَ مَعْرِفَتِكَ, بَلْ هُوَ مَدْخَلُهَا. الآخَرُ في تُرَاثِنَا وَلَسْنَا بِحَاجَةٍ أَنْ نَذْهَبَ بَعِيدًا لِنَجِدَ هٰذَا المَعْنَى. فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، يَأْتِي الأَمْرُ بِالوَقْفِ أَمامَ الآخَرِ بِلُغَةٍ لا تَقْبَلُ التَّأْوِيل: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ». التَّكْرِيمُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَحْدَهُ، وَلا لِلْعَرَبِيِّ وَحْدَهُ، وَلا لِلرَّجُلِ وَحْدَهُ, بَلْ لِبَنِي آدَمَ. لِلإِنْسَانِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ إِنْسَانًا. وَهٰذَا, بِعَيْنِهِ, مَا يَقُولُهُ لِيفِينَاس: وَجْهُ الآخَرِ مُقَدَّسٌ لَيْسَ لأَنَّهُ يُشْبِهُنَا, بَلْ لأَنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنَّا. وَتَأَمَّلْ مُعَامَلَةَ الإِسْلَامِ لِلْغَيْرِ. حِينَ رَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ المِيثَاقَ مَعَ نَصَارَى نَجْرَان, لَمْ يَقُلْ لَهُمْ: كُونُوا مِثْلِي. بَلْ قَالَ: لَكُمْ مَا لِي وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيَّ. وَحِينَ مَرَّتْ جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ أَمامَهُ, وَقَفَ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟». هٰذِهِ الكَلِمَةُ, «أَلَيْسَتْ نَفْسًا», هِيَ جَوْهَرُ فِلْسَفَةِ الآخَرِ. أَنْ تَرَى في كُلِّ وَجْهٍ نَفْسًا, لا مُجَرَّدَ صُورَةٍ. الشَّاشَاتُ: إِخْتِفَاءُ الآخَرِ وَلكِنْ, مَاذا حَدَثَ لِلآخَرِ في عَصْرِنَا؟ في زَمَنِ السُّوشَالِ مِيدْيَا، صَارَ الآخَرُ رَقْمًا في قَائِمَةِ المُتَابَعِينَ. صَارَ صُورَةً مُرَبَّعَةً في شَاشَةٍ. صَارَ إِمَّا مُوَافِقًا, فَنُعْجَبُ بِهِ, أَوْ مُخَالِفًا, فَنُعَادِيه. لا وَسَطَ. لا تَعْقِيدَ. لا إِنْسَانِيَّةَ تَسْتَحِقُّ التَّأَمُّل. وَالأَخْطَرُ: الخَوَارِزْمِيَّاتُ لا تُرِيكَ الآخَرَ كَمَا هُوَ, بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ. تُغَذِّيكَ بِمَا يُوَافِقُكَ، وَتُخْفِي عَنْكَ مَا يُزْعِجُكَ، حَتَّى تَظُنَّ أَنَّ العَالَمَ مِثْلُكَ, وَمَنْ لَيْسَ مِثْلَكَ فَهُوَ شَاذٌّ أَوْ عَدُوٌّ. وَهٰذَا, بِعَيْنِهِ, نَقِيضُ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ لِيفِينَاس وَنَقِيضُ مَا عَلَّمَنَا إِيَّاهُ الإِسْلَامُ: أَنَّ قِيمَةَ الآخَرِ في اخْتِلَافِهِ لا في مُشَابَهَتِهِ. وَمِنْ أَعْجَبِ المُفَارَقَاتِ أَنَّنَا في عَصْرٍ أَكْثَرَ اتِّصَالًا مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى, وَأَبْعَدَ عَنِ الآخَرِ مِنْ أَيِّ عَصْرٍ سَبَقَ. نَتَحَدَّثُ مَعَ الآلَافِ وَنَمُرُّ بِالمِئَاتِ, وَلَكِنْ كَمْ وَجْهًا رَأَيْنَاهُ حَقًّا؟ كَمْ عَيْنًا نَظَرْنا فِيهَا لا إِلَى شَاشَة؟ أُوبُنْتُو: أَنَا بِكُمْ وَفي الجَنُوبِ الإِفْرِيقِيِّ، تَرِثُ قَبَائِلُ الزُّولُو فِلْسَفَةً قَدِيمَةً بِلُغَةٍ بَدِيلَةٍ: «أُوبُنْتُو». مَعْنَاهَا: أَنَا كَائِنٌ لأَنَّنَا كَائِنُونَ. لا أَنَا بِلا نَحْنُ. وَلا نَحْنُ بِلا أَنَا. إِنَّمَا أَنَا وَجْهٌ لِلْإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا, وَالإِنْسَانِيَّةُ كُلُّهَا وَجْهٌ لِي. وَهٰذِهِ الفِلْسَفَةُ, الَّتِي قَادَتْ نِيلْسُون مَانْدِيلا وَأَصْحَابَهُ في مُوَاجَهَةِ الفَصْلِ العُنْصُرِيّ, تُخْبِرُنَا أَنَّ الحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ أَنْ تَتَخَلَّصَ مِنَ الآخَرِ, بَلْ أَنْ تَجِدَ نَفْسَكَ فِيهِ. تَأَمَّلْ كَيْفَ يَلْتَقِي لِيفِينَاس وَأُوبُنْتُو وَالإِسْلَامُ في نُقْطَةٍ وَاحِدَة: أَنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ جَزِيرَةً. أَنَّ الذَّاتَ لا تَكْمُلُ بِمَعْزِل. وَأَنَّ الآخَرَ لَيْسَ عَقَبَةً, بَلْ مِعْرَاجٌ. حِينَ تَنْظُرُ في وَجْهِ الآخَرِ بِانْتِبَاهٍ, لا بِاسْتِهْلَاكٍ وَلا بِاسْتِعْلَاء, فَإِنَّكَ لا تَرَاهُ فَقَطْ. أَنْتَ تَرَى نَفْسَكَ مِنْ خِلَالِهِ. وَتَرَى الإِنْسَانِيَّةَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ. وَلَكِنْ, وَهٰذَا سُؤَالٌ يَفْرِضُ نَفْسَهُ, إِذَا كَانَ الآخَرُ مُقَدَّسًا فِي اخْتِلَافِهِ، وَإِذَا كَانَ لا عَدْلَ بِدُونِ اعْتِرَافٍ بِالآخَرِ, فَمَا العَدْلُ؟ وَهَل يُمْكِنُ أَنْ نَبْنِيَ مُجْتَمَعًا عَادِلًا في عَالَمٍ لا يَرَى الآخَرَ؟ 📌 فِي الحَلْقَةِ القَادِمَةِ: سَنَدْخُلُ أَرْضَ العَدْلِ, ذٰلِكَ الحُلْمِ الَّذِي يُطَارِدُ البَشَرِيَّةَ مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ. مَا العَدْلُ؟ وَهَل هُوَ قُطْعَةُ خُبْزٍ نَتَقَاسَمُهَا, أَمْ مَوْقِفٌ نَحْيَاهُ؟ سَنَلْتَقِي بِابْنِ خَلْدُون وَجُونْ رَوْلْز في مُحَاوَرَةٍ عَبْرَ القُرُون, فَلا تَفُوتُوهَا. وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا. فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي. كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.