كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 13 · الموسم الثاني
Englishالحُبُّ فَلْسَفَةً لا شُعُورًا
Love as Philosophy, Not Just Emotion
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً.
الحَلْقَةُ الخَامِسَةُ: الحُبُّ فَلْسَفَةً لا شُعُورًا
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
المقدّمة
في الحَلْقَةِ المَاضِيَةِ، تَأَمَّلْنا الجَمَالَ وَاكْتَشَفْنا أَنَّهُ لَيْسَ زِينَةً بَلْ مُقَاوَمَةٌ. وَخَتَمْنا بِأَنَّ الجَمَالَ يَقُودُ إِلَى مَا هُوَ أَعْمَقُ: الحُبّ. وَاليَوْمَ, نَدْخُلُ أَخْطَرَ أَلْغَازِ الإِنْسَانِ وَأَجْمَلَهَا. نَسْأَلُ لا لِنُعَرِّفَ الحُبَّ, فَمَنْ يَسْتَطِيعُ؟, بَلْ لِنَفْهَمَهُ فَلْسَفِيًّا: مَا الَّذِي يَحْدُثُ حِينَ يُحِبُّ الإِنْسَانُ؟ وَهَلِ الحُبُّ مُجَرَّدُ كِيمِيَاءَ في الدِّمَاغِ, أَمْ أَنَّهُ أَقْدَمُ فَلْسَفَةٍ عَرَفَتْهَا البَشَرِيَّةُ؟
تَخَيَّلْ أَنَّكَ وَقَفْتَ أَمامَ شَخْصٍ تُحِبُّهُ. لا تَسْأَلُ نَفْسَكَ: مَاذَا أُحِبُّ فِيهِ؟ بَلْ سَلْ: مَاذَا حَدَثَ لِي حِينَ أَحْبَبْتُ؟ كَيْفَ تَغَيَّرْتُ؟ وَمَاذَا رَأَيْتُ لمْ أَكُنْ أَرَاهُ قَبْلَ أَنْ أُحِبَّ؟ فَلَعَلَّ الحُبَّ لَيْسَ شُعُورًا يُضَافُ إِلَيْكَ, بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ تُفْتَحُ لَكَ بَابًا في الوُجُودِ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ.
أَفْلَاطُون: مَحْفِلُ الحُبِّ
في أَحَدِ أَشْهَرِ حِوَارَاتِهِ, «المَأْدَبَة», صَوَّرَ أَفْلَاطُونُ الحُبَّ كَسُلَّمٍ. لا يَبْدَأُ في الأَعْلَى, بَلْ في الأَسْفَل. تَبْدَأُ بِحُبِّ جَسَدٍ وَاحِدٍ: وَجْهٌ يُعْجِبُكَ، صَوْتٌ يُؤْسِرُكَ. ثُمَّ, إِنْ صَدَقْتَ في الحُبِّ, تَصْعَدُ. تَرَى الجَمَالَ في أَكْثَرَ مِنْ وَجْه. تَفْهَمُ أَنَّ الجَمَالَ لَيْسَ في شَخْصٍ وَاحِدٍ بَلْ في نُورٍ يَتَجَلَّى في أَكْثَرَ مِنْ مَظْهَر. ثُمَّ تَصْعَدُ أَكْثَرَ, إِلَى حُبِّ الجَمَالِ نَفْسِهِ. إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَرَى فِيهَا الحَقَّ وَالخَيْرَ وَالجَمَالَ كَوَاحِدٍ.
وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ الحُبَّ لَيْسَ ضَعْفًا, بَلْ صُعُودٌ. لَيْسَ اسْتِسْلَامًا, بَلْ تَحَرُّرٌ. فَمَنْ أَحَبَّ بِصِدْقٍ لمْ يَفْقِدْ نَفْسَهُ, بَلْ وَجَدَهَا أَوَّلَ مَرَّة. وَمَنْ أَحَبَّ بِجُبْنٍ, أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ يُحِبُّ, فَإِنَّمَا يُحِبُّ نَفْسَهُ في المِرْآةِ، لا الآخَرَ.
ابْنُ عَرَبِي: الحُبُّ أَصْلُ الوُجُود
وَمِنْ أَفْلَاطُونَ نَعْبُرُ إِلَى مُحْيِي الدِّين ابْنِ عَرَبِي, ذٰلِكَ العَارِفِ الَّذِي جَعَلَ الحُبَّ لَيْسَ فَقَطْ سُلَّمًا بَلْ أَصْلَ الوُجُودِ كُلِّهِ. يَقُولُ ابْنُ عَرَبِي: «كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِكَيْ أُعْرَفَ». الحُبُّ عِنْدَهُ لَيْسَ عَارِضَةً طَارِئَةً عَلَى الوُجُود, بَلْ هُوَ سَبَبُهُ. اللهُ أَحَبَّ فَخَلَقَ. وَالخَلْقُ يُحِبُّ فَيَعُودُ. وَكُلُّ حَرَكَةٍ في الكَوْنِ, مِنْ دَوَرَانِ الكَوَاكِبِ إِلَى نَبْضِ القُلُوب, إِنَّمَا هِيَ تَعْبِيرٌ عَنْ ذٰلِكَ الحُبِّ الأَصْلِيّ.
وَابْنُ عَرَبِي يَمْضِي أَبْعَدَ مِنْ أَفْلَاطُون: لا يَرَى الحُبَّ سُلَّمًا نَصْعَدُهُ فَحَسْب, بَلْ بَحْرًا نَغُوصُ فِيهِ. وَلا يَكْتَفِي بِأَنَّ الحُبَّ يُعَلِّمُنَا الرُّؤْيَة, بَلْ يَقُولُ إِنَّ الحُبَّ يُلْغِي الفَصْلَ بَيْنَ المُحِبِّ وَالمَحْبُوب. في أَعْلَى دَرَجَاتِهِ, لا تَعُودُ تَعْرِفُ أَأَنْتَ المُحِبُّ أَمِ المَحْبُوبُ. كَمَا قَالَ: «أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا». هٰذِهِ لَيْسَ غُرُورًا, بَلْ هِيَ أَقْصَى حَقِيقَةٍ يَصِلُ إِلَيْهَا الوَعْي: أَنَّكَ في الآخَرِ تَجِدُ نَفْسَكَ الحَقِيقِيَّة.
فُرُوم: الحُبُّ فَنٌّ لا انْفِعَال
وَفي القَرْنِ العِشْرِينَ, ذٰلِكَ القَرْنِ الَّذِي شَهِدَ أَفْظَعَ الحُرُوبِ وَأَبْرَدَ التِّقْنِيَات, كَتَبَ إِرِيك فُرُوم كِتَابًا صَغِيرًا عَظِيمًا سَمَّاهُ «فَنُّ الحُبِّ». وَقَدْ عَرَفْنا فُرُوم في المَوْسِمِ الأَوَّلِ حِينَ تَحَدَّثْنا عَنْ هُرُوبِ الإِنْسَانِ مِنَ الحُرِّيَّةِ. هُنَا يُكْمِلُ الصُّورَةَ: الحُبُّ هُوَ الجَوَابُ عَنْ ذٰلِكَ الهُرُوب.
فُرُوم يَقُولُ: الحُبُّ لَيْسَ شُعُورًا يَحْدُثُ لَكَ, بَلْ هُوَ فِعْلٌ تَقُومُ بِهِ. لَيْسَ أَنْ تَقَعَ في الحُبِّ كَمَا تَقَعُ في حُفْرَة, بَلْ أَنْ تَبْنِيَ الحُبَّ كَمَا تَبْنِي بَيْتًا. الحُبُّ مَوْقِفٌ. مَوْقِفٌ مِنَ الحَيَاةِ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ أَرْبَعَةَ أَرْكَان: الرِّعَايَةَ، وَالمَسْؤُولِيَّةَ، وَالاحْتِرَامَ، وَالمَعْرِفَة. مَنْ يَرْعَى بِلا مَعْرِفَةٍ, يُخْنِق. وَمَنْ يَعْرِفُ بِلا رِعَايَةٍ, يَبْرُد. وَمَنْ يَحْتَرِمُ بِلا مَسْؤُولِيَّةٍ, يَتَخَلَّى. وَمَنْ يَتَحَمَّلُ بِلا احْتِرَامٍ, يَسْتَعْبِدُ. الحُبُّ هُوَ المُعَادَلَةُ الكَامِلَةُ: أَنْ أَعْرِفَكَ فَأَرْعَاكَ فَأَحْتَرِمَكَ فَأَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّتِي تُجَاهَكَ.
الحُبُّ في عَصْرِ التَّخَرُّب
وَاليَوْمَ, في عَصْرِ السُّوشَال مِيدْيَا وَتَطْبِيقَاتِ المُوَاعَدَة, صَارَ الحُبُّ أَسْهَلَ وَأَضْحَلَ في آنٍ. تَسْحَبُ شَاشَةً فَتُعْجِبُكَ صُورَة. تُرْسِلُ رِسَالَةً فَتَبْدَأُ قِصَّة. وَلكِنْ, كَمْ مِنْ هٰذِهِ القِصَصِ تَصِلُ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ فُرُوم: مَسْؤُولِيَّةٌ وَمَعْرِفَةٌ وَاحْتِرَام؟ كم مِنْها يَصِلُ إِلَى مَا وَصَفَهُ ابْنُ عَرَبِي: حُبٌّ يُلْغِي الفَصْلَ بَيْنَ المُحِبِّ وَالمَحْبُوب؟
المُشْكِلَةُ لَيْسَت في التِّقْنِيَة, بَلْ في أَنَّنَا أَصْبَحْنَا نَخَافُ العُمْق. الحُبُّ العَمِيقُ يَتَطَلَّبُ وُقُوعًا في الخَطَر: أَنْ تُظْهِرَ ضَعْفَكَ، أَنْ تَعْتَرِفَ بِحَاجَتِكَ، أَنْ تَقُولَ «أَحْتَاجُ إِلَيْكَ» في عَالَمٍ يُعَلِّمُكَ أَنَّ الحَاجَةَ عَيْبٌ. وَلٰكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّ مَنْ لا يُحِبُّ لَمْ يَعِشْ. وَمَنْ يُحِبُّ بِجُبْنٍ لَمْ يُحِبَّ. وَمَنْ يُحِبُّ بِشَجَاعَة, فَإِنَّهُ وَإِنْ أُصِيبَ يَبْقَى أَكْثَرَ حَيَاةً مِمَّنْ لا يُحِبّ.
وَمِنَ الحُبِّ, ذٰلِكَ الحُبِّ الَّذِي يُوقِظُ وَيُحَوِّلُ وَيَجْمَعُ, نَنْتَقِلُ إِلَى سُؤَالٍ أَقْسَى: الزَّمَن. فَالحُبُّ يَجْعَلُنَا نَشْعُرُ بِالزَّمَنِ كَمَا لمْ نَشْعُرْ بِهِ قَطُّ. وَلَكِنْ, مَا هُوَ الزَّمَنُ؟ وَلِمَاذَا كُلَّمَا أَحْبَبْنَا أَكْثَرَ شَعَرْنَا أَنَّهُ أَقْصَرُ؟
📌 فِي الحَلْقَةِ القَادِمَةِ:
سَنَسْأَلُ أَصْعَبَ سُؤَالٍ يُمْكِنُ أَنْ يَطْرَحَهُ إِنْسَانٌ: مَا هُوَ الزَّمَنُ؟ سَنَسْمَعُ أُغُسْطِينَ يَبْكِي عَجْزًا أَمامَهُ، وَبِيرْغْسُون يَضْحَكُ مِنْ عَجْزِ العِلْمِ، وَابْنَ عَرَبِي يَرَى الزَّمَنَ وَرَاءَ الزَّمَنِ. رِحْلَةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الزَّمَنِ, فَكَيْفَ تَفُوتُكُم؟
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
