كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 14 · الموسم الثاني
Englishالزَّمَنُ لا يَعُود
Time Never Returns
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً.
الحَلْقَةُ السَّادِسَةُ: الزَّمَنُ لا يَعُود
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
المقدّمة
في الحَلْقَةِ المَاضِيَةِ، تَأَمَّلْنا الحُبَّ وَعَرَفْنَا أَنَّهُ فَنٌّ لا انْفِعَال، وَأَنَّهُ رُؤْيَةٌ لا مُجَرَّدُ شُعُور. وَخَتَمْنا بِسُؤَال: لِمَاذَا كُلَّمَا أَحْبَبْنَا شَعَرْنَا أَنَّ الزَّمَنَ أَقْصَرُ؟ اليَوْمَ نَدْخُلُ أَعْمَقَ لُغْزٍ وَاجَهَ الإِنْسَان: الزَّمَن.
سَلْ نَفْسَكَ بِصِدْق: مَا هُوَ الزَّمَنُ؟ هَل هُوَ مَا تُقِيسُهُ السَّاعَةُ؟ هَل هُوَ مَا يَمُرُّ حِينَ تَنْتَظِرُ؟ هَل هُوَ مَا يَنْقُصُ حِينَ تُحِبُّ وَيَزِيدُ حِينَ تَأْلَمُ؟ القَدِيمُ وَالحَدِيثُ مِنَ الفَلَاسِفَةِ اعْتَرَفُوا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: الزَّمَنُ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنْ أَيِّ شَيْء, وَأَبْعَدُ عَنِ الفَهْمِ مِنْ كُلِّ شَيْء.
أُغُسْطِين: الزَّمَنُ لُغْزٌ
في القَرْنِ الرَّابِعِ المِيلَادِيّ، اعْتَرَفَ أَحَدُ أَعْظَمِ عُقُولِ المَسِيحِيَّةِ بِعَجْزِهِ أَمامَ هٰذَا السُّؤَال. القِدِّيسُ أُغُسْطِين كَتَبَ في «الِاعْتِرَافَاتِ»: «مَا هُوَ الزَّمَنُ؟ إِذَا لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ, فَأَنَا أَعْرِفُ. وَإِذَا سَأَلَنِي وَأَرَدْتُ أَنْ أُجِيبَ, فَإِنِّي لا أَعْرِفُ». هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ تَهَرُّبًا, بَلْ هِيَ أَدَقُّ وَصْفٍ لِلزَّمَنِ: نَحْنُ نَعِيشُهُ كُلَّ لَحْظَة، وَنَعْجَزُ عَنْ تَعْرِيفِهِ.
وَيُضِيفُ أُغُسْطِين شَيْئًا أَخْطَر: الزَّمَنُ لَيْسَ في الخَارِج. المَاضِي لا وُجُودَ لَهُ, فَقَدْ مَضَى. وَالمُسْتَقْبَلُ لا وُجُودَ لَهُ, فَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَالحَاضِرُ لَحْظَةٌ لا طُولَ لَهَا, فَهِيَ تَنْقَضِي حِينَ تُدْرِكُهَا. إِذَنْ, أَيْنَ الزَّمَنُ؟ يَقُولُ أُغُسْطِين: في النَّفْس. المَاضِي حَاضِرٌ في الذَّاكِرَةِ. وَالمُسْتَقْبَلُ حَاضِرٌ في التَّوَقُّعِ. وَالحَاضِرُ حَاضِرٌ في الاِنْتِبَاهِ. الزَّمَنُ لَيْسَ سَاعَةً تَدُور, إِنَّمَا هُوَ عَمَلُ الوَعْيِ.
بِيرْغْسُون: الزَّمَنُ الحَيُّ
وَبَعْدَ أُغُسْطِين بِقُرُون، هَاجَمَ الفَيْلَسُوفُ الفَرَنْسِيُّ أَنْرِي بِيرْغْسُون فِكْرَةَ أَنَّ الزَّمَنَ يُمْكِنُ قِيَاسُهُ. قَالَ: السَّاعَةُ لا تَقِيسُ الزَّمَنَ, بَلْ تَقِيسُ الحَرَكَةَ. الزَّمَنُ الحَقِيقِيُّ, وَهُوَ يُسَمِّيهِ «الدَّهْر», لا يُقَسَّمُ إِلَى ثَوَانٍ وَدَقَائِق. إِنَّهُ تَدَفُّقٌ وَاحِدٌ لا يَنْقَطِعُ، كَنَهْرٍ يَجْرِي لا يُمْكِنُ أَنْ تُمْسِكَ مِنْهُ قِطْعَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْن.
تَأَمَّلْ: حِينَ تَسْتَمِعُ إِلَى لَحْنٍ مُوسِيقِيّ, لا تَسْمَعُ النَّغْمَاتِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً. أَنْتَ تَسْمَعُ انْسِيَابًا. كُلُّ نَغْمَةٍ تَحْمِلُ في دَاخِلِهَا صَدَى مَا قَبْلَهَا وَتَوَقُّعَ مَا بَعْدَهَا. هٰكَذَا الزَّمَنُ الحَيُّ: لا نِقَاطَ مُنْفَصِلَة، بَلْ تَيَّارٌ يَحْمِلُ كُلَّ شَيْء. وَمَنْ يَعِيشُ الزَّمَنَ كَنِقَاط, يَعِيشُ حَيَاةً مُمَزَّقَة. وَمَنْ يَعِيشُهُ كَتَيَّار, يَعِيشُ حَيَاةً مُتَّصِلَة.
الزَّمَنُ العَرَبِيُّ: بَيْنَ الدَّهْرِ وَالوَقْت
وَفي تُرَاثِنَا العَرَبِيِّ الإِسْلَامِيِّ، ثَمَّةَ تَمْيِيزٌ دَقِيقٌ بَيْنَ «الوَقْت» وَ«الدَّهْر». الوَقْتُ مِقْيَاسٌ, سَاعَةٌ، يَوْمٌ، سَنَةٌ. أَمَّا الدَّهْرُ فَهُوَ أَعْمَق: هُوَ الزَّمَنُ كَمُدَّةٍ وُجُودِيَّة. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ». وَمَعْنَاهُ, كَمَا شَرَحَهُ العُلَمَاءُ, أَنَّ الزَّمَنَ بِيَدِ ٱللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ يَلْعَنُ الزَّمَنَ إِنَّمَا يَلْعَنُ مَنْ يُدَبِّرُهُ. وَهٰذَا يُعْطِي الزَّمَنَ بُعْدًا قَدَرِيًّا: لَيْسَ عَدُوًّا نُحَارِبُهُ, بَلْ أَمَانَةً نَعِيشُهَا.
وَابْنُ عَرَبِي يَضِيفُ: الزَّمَنُ أَنْوَاع. هُنَاكَ زَمَنٌ طَبِيعِيّ تَدُورُ بِهِ الشَّمْسُ, وَهُنَاكَ زَمَنٌ وُجُودِيّ يَدُورُ بِهِ القَلْبُ. وَقَدْ تَمُرُّ سَاعَةٌ كَعَامٍ في انْتِظَارِ حَبِيب، وَقَدْ تَمُرُّ سَنَةٌ كَلَحْظَةٍ في صُحْبَتِهِ. الزَّمَنُ الحَقِيقِيُّ لا يُقَاسُ بِالسَّاعَةِ, بَلْ بِشِدَّةِ الوُجُودِ.
الزَّمَنُ في عَصْرِ السُّرْعَة
وَاليَوْمَ, نَحْنُ أَسْرَعُ أَجْيَالِ التَّارِيخ. نَأْكُلُ أَسْرَع، وَنَقْرَأُ أَسْرَع، وَنُشَاهِدُ أَسْرَع. التَّطْبِيقُ يُخْبِرُكَ أَنَّ المُشَاهَدَةَ بَعْدَ عَشْرِ ثَوَانٍ أَطْوَلُ مِمَّا يَجِبُ. الرِّسَالَةُ الصَّوْتِيَّةُ فَوْقَ الدَّقِيقَةِ تَبْدُو مُمِلَّة. نَتَسَرَّعُ, وَنَظُنُّ أَنَّنَا نُوفِّرُ الزَّمَنَ. وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّنَا نَفْقِدُهُ. لأَنَّ الزَّمَنَ لا يُوفَّر, إِنَّمَا يُعَاش. وَمَنْ يَمْضِي في الحَيَاةِ كَمَنْ يَرْكَضُ في مَمَرٍّ, لا يَرَى شَيْئًا. وَمَنْ يَمْشِي بَطِيئًا, يَرَى كُلَّ شَيْء.
وَمِنَ الزَّمَنِ, ذٰلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي يَهْرُبُ وَلا يَعُود, إِلَى مَا هُوَ أَقْسَى: المَوْت. فَإِنْ كَانَ الزَّمَنُ يَنْقَضِي, فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِالْمَوْت. وَسُؤَالُ المَوْتِ هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي مِنْهُ تَبْدَأُ كُلُّ فَلْسَفَة وَإِلَيْهِ تَعُود. فَهَلِ المَوْتُ عَدُوُّ الحَيَاةِ, أَمْ أَنَّهُ الَّذِي يَجْعَلُهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ؟
📌 فِي الحَلْقَةِ القَادِمَةِ:
سَنَقِفُ أَمامَ أَخْطَرِ حَقِيقَةٍ في الوُجُود: المَوْت. لَيْسَ لِنَخَافَ, بَلْ لِنَفْهَمَ. أَفِيقُورُس يَقُولُ: المَوْتُ لا يُؤْلِمُ. وَهَايْدِغِر يَقُولُ: المَوْتُ هُوَ أَصْفَى إِمْكَانِيَّةٍ لِلإِنْسَان. وَالقُرْآن يَقُولُ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْت. حِوَارٌ عَبْرَ القُرُون, لا يُفَوَّتُ.
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
