كل الحلقات

Echoes of Wisdom · حلقة 3 · الموسم الأول

English

عَوْدَةُ ابْنِ رُشْدٍ

The Return of Ibn Rushd

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.

في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ. هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً. السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ +===+==================================================================+ تَخَيَّلْ أَنَّكَ وَقَفْتَ يَوْمًا بَيْنَ عَالَمَيْنِ: عَالَمٌ يَقُولُ لَكَ: آمِنْ بِمَا قِيلَ لَكَ وَلا تَسْأَلْ. وَعَالَمٌ آخَرُ يَقُولُ لَكَ: كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يُفْحَصَ, وَلا سُلْطَانَ لِلنَّصِّ عَلَى العَقْلِ. بَيْنَ هٰذَيْنِ العَالَمَيْنِ وَقَفَ رَجُلٌ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيَ مِئَةِ عَامٍ, فِي قَصْرٍ بِقُرْطُبَةَ، عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ الوَادِي الكَبِيرِ, وَقَالَ كَلِمَةً هَزَّتِ التَّارِيخَ: العَقْلُ وَالوَحْيُ حَلِيفَانِ، لا خَصْمَانِ. هٰذَا الرَّجُلُ هُوَ ابْنُ رُشْدٍ. وَهٰذِهِ هِيَ قِصَّتُهُ, وَقِصَّةُ سُؤَالٍ لا يَزَالُ يُطَارِدُنَا حَتَّى اليَوْمِ. ابْنُ رُشْدٍ: الفِيلَسُوفُ الَّذِي وَقَفَ بَيْنَ عَالَمَيْنِ فِي القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ المِيلَادِيِّ, حِينَ كَانَ الغَرْبُ يَغُوصُ في عُتْمَةِ العُصُورِ الوُسْطَى، وَالحَضَارَةُ الإِسْلَامِيَّةُ تَعِيشُ أَيَّامَهَا الذَّهَبِيَّةَ, وُلِدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ابْنُ رُشْدٍ في قُرْطُبَةَ. كَانَ طَبِيبًا، وَقَاضِيًا، وَفَلْسَفًا، وَمُفَسِّرًا لِأَرِسْطُو. وَلٰكِنَّ أَعْظَمَ مَا عَرَفَهُ بِهِ التَّارِيخُ هُوَ مَوْقِفُهِ الجَرِيءُ مِنْ عَلاقَةِ العَقْلِ بِالوَحْيِ. كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَرَى أَنَّ الحَقِيقَةَ وَاحِدَةٌ, لا تَتَعَدَّدُ. فَإِنْ قَالَ العَقْلُ شَيْئًا، وَقَالَ الشَّرْعُ شَيْئًا آخَرَ, فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في أَحَدِهِمَا، بَلْ في طَرِيقَةِ فَهْمِنَا لَهُمَا. وَإِنْ تَعَارَضَ الظَّاهِرَانِ, وَجَبَ التَّأْوِيلُ. لَيْسَ لِنَنْبِذَ أَحَدَهُمَا، بَلْ لِنَعْمَقَ نَظْرَنَا حَتَّى تَتَّحِدَ الحِكْمَتَانِ. هٰذَا الكَلامُ, رُبَّمَا بَدَا بَسِيطًا, وَلٰكِنَّهُ في زَمَنِهِ كَانَ ثَوْرَةً. كَانَ يَعْنِي: أَنَّ العَقْلَ لَيْسَ عَدُوًّا لِلدِّينِ. وَأَنَّ التَّفْلْسِفَ لَيْسَ كُفْرًا. وَأَنَّ القُرْآنَ, بِأَعْمَقِ طَبَقَاتِهِ, يَدْعُو إلى التَّأَمُّلِ لا إلى التَّسْلِيمِ الأَعْمَى. لِمَاذَا عَوْدَةُ ابْنِ رُشْدٍ؟ وَلِمَ "عَوْدَةُ ابْنِ رُشْدٍ"؟ نَحْنُ اليَوْمَ بِحَاجَةٍ إِلَى ابْنِ رُشْدٍ, نَعَمْ. وَلٰكِنَّنَا بِحَاجَةٍ أَيْضًا إِلَى الفَارَابِي الَّذِي حَلِمَ بِمَدِينَةِ العَقْلِ حِينَ كَانَ العَالَمُ يَحْلِمُ بِالمُلُوكِ. وَإِلَى ابْنِ سِينَا الَّذِي اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ وَلا يَعْرِفُ, فَكَانَ أَعْظَمَ العَارِفِينَ. وَإِلَى الغَزَالِي الَّذِي شَكَّ لِيُوقِنَ, فَصَارَ شَكُّهُ أَقْوَى مِنْ يَقِينِ غَيْرِهِ. وَإِلَى ابْنِ الهَيْثَمِ الَّذِي بَنَى العِلْمَ عَلَى التَّجْرِبَةِ لا عَلَى التَّقْلِيدِ. وَإِلَى البِيرُونِي الَّذِي قَاسَ الأَرْضَ وَدَرَسَ الأَدْيَانَ, لا لِيُحَارِبَهَا، بَلْ لِيَفْهَمَهَا. هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ عَشَرَاتِ العُقُولِ العَظِيمَةِ… عُلَمَاءُ المَعْقُولَاتِ! اخْتَارُوا التَّفْكِيرَ لَا التَّقْلِيدَ… وَالسُّؤَالَ لَا التَّسْلِيمَ! لَكِنِ الصَّدْمَةُ؟ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَرَبًا! الفَارَابِي، ابْنُ سِينَا، الغَزَالِي، البِيرُونِي، الخَوَارِزْمِي، ابْنُ رُشْدٍ… أُصُولٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَلُغَةٌ وَاحِدَةٌ: العَرَبِيَّةُ. وَعَقْلٌ وَاحِدٌ… لَا يَعْتَرِفُ بِالحُدُودِ! لَمْ يَسْأَلْ أَحَدُهُمْ: مِنْ أَيِّ قَوْمٍ أَنْتَ؟ لِأَنَّ الفَلْسَفَةَ لَا تَعْرِفُ الحُدُودَ… وَالعَقْلَ لَا يَحْمِلُ جَوَازَ سَفَرٍ! وَهُنَا يَقُولُ ابن خلدون: "حَمَلَةُ العِلْمِ فِي الإِسْلَامِ أَكْثَرُهُمُ العَجَمُ!" لَيْسَتْ مُفَارَقَةً… بَلْ رِسَالَةٌ: العِلْمُ لَا وَطَنَ لَهُ… إِلَّا العُقُولُ الَّتِي تَشْتَعِلُ بِهِ! فَحِينَ نُطَالِبُ بِعَوْدَةِ ابْنِ رُشْدٍ, فَنَحْنُ فِي الحَقِيقَةِ نُطَالِبُ بِعَوْدَةِ العَقْلِ نَفْسِهِ. هَلْ تَكْتَفِي بِالمُشَاهَدَةِ… أَمْ تَكُونُ جُزْءًا مِنَ الحَرِيقِ؟ 🔥 والآن إِذَا كَانَ العَقْلُ لَا يَحْمِلُ جَوَازَ سَفَرٍ… فَسُؤَالٌ أَعْمَقُ يَشْتَعِلُ: هَلْ يَحْتَاجُ العَقْلُ إِلَى أَحَدٍ… لِيَصِلَ إِلَى الحَقِيقَةِ؟ طِفْلٌ وُلِدَ وَحِيدًا عَلَى جَزِيرَةٍ بَعِيدَةٍ. لا أُمَّ، لا أَبَ، لا مَدْرَسَةَ، لا كِتَابَ، لا إنْتِرْنِيتْ، لا خَوَارِزْمِيَّاتْ تُغْرِقُهُ بِالْمَعْلُومَاتِ. وَمَعَ ذٰلِكَ, بِعَقْلِهِ وَحْدَهُ, يَبْدَأُ يَنْظُرُ إِلَى الْعَالَمِ وَيَسْأَلُ. يَرَى الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ فَيَسْأَلُ: لِمَاذَا؟ يُلاحِظُ أَنَّ الأَشْجَارَ تَنْمُو وَأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ تَتَنَفَّسُ فَيَسْأَلُ: مِنْ أَيْنَ؟ يَمْسِكُ بِجَسَدِهِ فَيَتَأَمَّلُ: مَنْ أَنَا؟ هٰذَا لَيْسَ خَيَالاً عِلْمِيًّا. هٰذِهِ رِوَايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ كَتَبَهَا الْفَيْلَسُوفُ الأَنْدَلُسِيُّ «ابْنُ طُفَيْلٍ» قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيَمِائَةِ عَامٍ، وَاسْمُهَا «حَيُّ بْنُ يَقْظَانَ». وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ, بَلْ تَجْرِبَةً فِكْرِيَّةً رَائِدَةً تَطْرَحُ سُؤَالاً يُؤَرِّقُ الْفَلاَسِفَةَ حَتَّى الْيَوْمِ: هَلْ يُمْكِنُ لِلْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْحَقِيقَةِ بِمُفْرَدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْمَعَ بِأَيِّ نَبِيٍّ أَوْ يَقْرَأَ أَيَّ كِتَابٍ؟ فِي الرِّوَايَةِ، يَنْمُو حَيٌّ وَيَتَأَمَّلُ وَيَبْحَثُ، شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يَصِلَ إِلَى نَتِيجَةٍ مُفَاجِئَةٍ: يَكْتَشِفُ بِعَقْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّ لِلْكَوْنِ صَانِعًا، أَنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ، أَنَّ لِلْحَيَاةِ هَدَفًا أَكْبَرَ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ. نَتَائِجُ يَصِلُ إِلَيْهَا بِمُجَرَّدِ التَّأَمُّلِ وَالْمُلاحَظَةِ وَالْمَنْطِقِ. ثُمَّ يَحْدُثُ شَيْءٌ مُثِيرٌ. يَصِلُ إِلَى الْجَزِيرَةِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْمُجْتَمَعِ الْبَشَرِيِّ، يَحْمِلُ مَعَهُ دِينًا وَكِتَابًا وَشَرِيعَةً. يَتَحَدَّثُ الرَّجُلاَنِ، فَيَكْتَشِفُ الأَوَّلُ أَنَّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ بِالْعَقْلِ يُطَابِقُ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ. نَفْسُ الْحَقِيقَةِ، طَرِيقَانِ مُخْتَلِفَانِ. وَلٰكِنْ, وَهٰذَا هُوَ الذَّكَاءُ, لَمَّا نَزَلَ حَيٌّ إِلَى مُجْتَمَعِ النَّاسِ لِيُحَدِّثَهُمْ عَمَّا اكْتَشَفَهُ، وَجَدَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَفْهَمُونَهُ. لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَغْبِيَاءُ, بَلْ لِأَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ طَاقَةً عَقْلِيَّةً مُخْتَلِفَةً. بَعْضُ النَّاسِ يَفْهَمُونَ بِالْبُرْهَانِ، وَبَعْضُهُمْ بِالأَمْثَالِ، وَبَعْضُهُمْ بِالتَّقْلِيدِ. وَهُنَا, وَهُنَا فَقَطْ, يَتَجَلَّى سِرُّ ابْنِ رُشْدٍ الْعَظِيمِ. فَابْنُ رُشْدٍ قَرَأَ هٰذِهِ الرِّوَايَةَ وَفَهِمَ رِسَالَتَهَا: لَيْسَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ بَدِيلاً مِنَ الدِّينِ، وَلا أَنْ يَكُونَ الدِّينُ بَدِيلاً مِنَ الْعَقْلِ. الْمَطْلُوبُ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ طَاقَتَهُ وَيَسْلُكَ طَرِيقَهُ. فَالْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ، وَالطُّرُقُ إِلَيْهَا مُتَعَدِّدَةٌ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمَا يَتَصَارَعَانِ, فَلْيُرَاجِعْ نَفْسَهُ، لَعَلَّهُ لَمْ يَفْهَمْ أَحَدَهُمَا. وَمِنَ العَجِيبِ أَنَّ تَأْثِيرَ ابْنِ رُشْدٍ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ. فَقَدْ كَانَ, حَقِيقَةً, الجِسْرَ الَّذِي عَبَرَتْ عَلَيْهِ الفِلْسَفَةُ اليُونَانِيَّةُ مِنَ الشَّرْقِ إلى الغَرْبِ. وَلَوْلا تَرَاجِمُهُ وَشُرُوحُهُ عَلَى أَرِسْطُو, لَمَا عَرَفَتْ أُورُوبَّا الفِلْسَفَةَ اليُونَانِيَّةَ كَمَا عَرَفَتْهَا. وَلَمَا نَشَأَتِ الرَّنَسَّانْسَةُ كَمَا نَشَأَتْ. تَأَمَّلُوا: بَارُوخَ سْبِينُوزَا، ذٰلِكَ الفَيْلَسُوفُ الهُولَنْدِيُّ الكَبِيرُ الَّذِي تَأَثَّرَ جِدًّا بِفِكْرِ ابْنِ رُشْدٍ. فِي كِتَابِهِ «الأَخْلاَقُ» رَأَى سْبِينُوزَا أَنَّ اللهَ لَيْسَ خَالِقًا مُنْفَصِلاً عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ هُوَ في كُلِّ شَيْءٍ. أَلَيْسَ هٰذَا قَرِيبًا مِمَّا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٌ عَنْ وِحْدَةِ الحَقِيقَةِ؟ وَتَأَمَّلُوا رِينِيه دِيكَارْتَ حِينَ وَضَعَ الشَّكَّ المَنْهَجِيَّ أَسَاسًا لِلْفِكْرِ: «أَنَا أَشُكُّ، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ». أَلَيْسَ هٰذَا مَا عَمِلَ بِهِ ابْنُ رُشْدٌ قَبْلَهُ بِقُرُونٍ: أَنَّ الشَّكَّ لَيْسَ ضَعْفًا بَلْ أَدَاةً لِلْوُصُولِ إلى اليَقِينِ؟ وَلَوْ نَظَرْنَا إلى مُوسَى بْنِ مَيْمُونَ، الفَيْلَسُوفِ اليَهُودِيِّ الكَبِيرِ، الَّذِي كَتَبَ «دلالة الحَائِرِينَ», لَوَجَدْنَا فِيهِ صَدَى مُبَاشِرًا لِفِكْرِ ابْنِ رُشْدٍ حَوْلَ الجَمْعِ بَيْنَ العَقْلِ وَالدِّينِ. كَأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ لَمْ يَكْنْ فَيْلَسُوفًا لِقَوْمٍ وَحْدَهُمْ, بَلْ صَوْتًا إِنْسَانِيًّا عَابِرًا لِلْحُدُودِ. فَلْنَعُدْ إلى السُّؤَالِ الجَوْهَرِيِّ: هَل العَقْلُ قَادِرٌ وَحْدَهُ عَلَى إِدْرَاكِ كُلِّ شَيْءٍ؟ يُجِيبُ ابْنُ رُشْدٍ: العَقْلُ هُوَ الأَدَاةُ الأُولَى الَّتِي أَعْطَانَا اللهُ إِيَّاهَا لِفَهْمِ العَالَمِ. بِهِ نَعْرِفُ أَنَّ السَّمَاءَ فَوْقَنَا، وَأَنَّ الأَرْضَ تَحْتَنَا، وَأَنَّ العَدْلَ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمِ، وَأَنَّ الحَقَّ أَثْقَلُ مِنَ الزَّيْفِ. وَلٰكِنَّ هُنَاكَ أُمُورٌ تَتَجَاوَزُ العَقْلَ: أُمُورٌ مِنْ عَالَمِ الغَيْبِ، وَأَسْرَارُ الوُجُودِ الَّتِي لا يَسْتَطِيعُ مَخْلُوقٌ أَنْ يُحِيطَ بِهَا. وَهُنَا يَأْتِي الوَحْيُ, لا لِيُنَاقِضَ العَقْلَ، بَلْ لِيُكَمِّلَهُ. لا لِيُلْغِيَهُ، بَلْ لِيَمُدَّهُ بِنُورٍ لا يَأْتِي مِنْ عِنْدِ البَشَرِ. تَخَيَّلْ عَيْنَيْنِ: إِحْدَاهُمَا تَرَى النَّهَارَ، وَالأُخْرَى تَرَى النُّجُومَ. أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ كِلَاهُمَا تَرَيَانِ الحَقِيقَةَ, وَلٰكِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَرَى بُعْدًا لَمْ تَرَهُ الأُخْرَى. هٰكَذَا العَقْلُ وَالوَحْيُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ: عَيْنَانِ في وَجْهٍ وَاحِدٍ. تَخَيَّلْ أَنَّ الْعَقْلَ وَالنَّبِيَّ كَطَبِيبَيْنِ. طَبِيبُ الأَجْسَادِ يُعَالِجُكَ بِالأَدْوِيَةِ الْمَادِّيَّةِ: يَفْحَصُكَ، يُشَخِّصُ مَرَضَكَ، يَكْتُبُ لَكَ الْعِلاَجَ. وَطَبِيبُ الأَرْوَاحِ, وَهُوَ النَّبِيُّ, يُعَالِجُ مَا لا يَرَاهُ طَبِيبُ الأَجْسَادِ: الْكِبْرَ، وَالْحَسَدَ، وَالْجُبْنَ، وَالْحِرْصَ، وَكُلَّ خَلْقٍ يُفْسِدُ حَيَاتَكَ مِنَ الدَّاخِلِ. طَبِيبَانِ. أَحَدُهُمَا يَعْتَنِي بِالظَّاهِرِ، وَالآخَرُ يَعْتَنِي بِالْبَاطِنِ. وَهَلْ يُعَقَلُ أَنْ يُقَاتِلَ طَبِيبُ الْعِظَامِ طَبِيبَ الْقَلْبِ؟ أَوْ أَنْ يَقُولَ الْمَرِيضُ: أَنَا أَثِقُ بِطَبِيبِ الْقَلْبِ فَلَسْتُ فِي حَاجَةٍ إِلَى طَبِيبِ الْجَسَدِ؟ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يُكَمِّلُ الآخَرَ. انْظُرْ إِلَى الْقَلْبِ كَأَنَّهُ أَرْضٌ. أَرْضٌ لا تُثْمِرُ إِلَّا بِثَلاَثَةِ: أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً فِي أَصْلِهَا، وَأَنْ يَكُونَ مَنْ يَزْرَعُهَا خَبِيرًا بِمَا يَزْرَعُ، وَأَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ سَلِيمًا. فَإِنْ كَانَتِ الأَرْضُ سَيِّئَةً, لَمْ يَنْفَعِ خِبْرَةُ الزَّارِعِ. وَإِنْ كَانَ الزَّارِعُ جَاهِلاً, لَمْ تَنْفَعِ الأَرْضُ. وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ فَاسِدًا, لَمْ يَنْفَعْ شَيْءٌ. فَالزَّارِعُ الْخَبِيرُ هُوَ الْعَقْلُ. وَالْبَذْرُ الصَّالِحُ هُوَ مَا يَزْرَعُهُ النَّبِيُّ فِي الصُّدُورِ. وَالأَرْضُ, ذٰلِكَ الْقَلْبُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ, هِيَ أَنْتَ. فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَزْرَعَ حَقِيقَةً فِي نَفْسِكَ, فَاجْمَعْ بَيْنَهُمَا: عَقْلٌ يَمِيزُ، وَقَلْبٌ يَسْتَقْبِلُ. وَإِنْ أَخَذْتَ أَحَدَهُمَا وَحْدَهُ, فَكَأَنَّكَ حَاوَلْتَ الزَّرْعَ بِلاَ أَرْضٍ، أَوْ بِلاَ بَذْرٍ. لِمَاذَا تُحَارَبُ الفَلْسَفَةُ اليَوْمَ؟ وَقَبْلَ أَنْ نُجِيبَ عَلَى سُؤَالِ الكَهْفِ, كَيْفَ نَخْرُجُ؟, لِنَتَأَمَّلْ فِيمَا يُوَاجِهُ التَّفْلْسِفَةَ اليَوْمَ. فَمَعَ أَنَّ هٰذَه التَّوَازُنَ العَظِيمَ بَيْنَ العَقْلِ وَالوَحْيِ كَانَ يَوْمًا مِنْ أَعْظَمِ إِنْجَازَاتِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ, إِلَّا أَنَّنَا اليَوْمَ نَرَى عَكْسَ ذٰلِكَ. الفَلْسَفَةُ تُسْتَبْعَدُ مِنْ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ في بِلادٍ عَرَبِيَّةٍ كَثِيرَةٍ. وَالتَّفْكِيرُ النَّقْدِيُّ يُنْظَرُ إِلَيْهِ بِالرِّيبَةِ وَالخَوْفِ. وَمَنْ يَطْرَحُ سُؤَالاً فَلْسَفِيًّا, قَدْ يُتَّهَمُ بِالإِلْحَادِ أَوْ بِإثَارَةِ الفِتْنَةِ. كَيْفَ وَصَلْنَا إلى هٰذَا؟ كَيْفَ صَارَ ابْنُ رُشْدٍ, الَّذِي كَانَ قَاضِي القُضَاةِ في قُرْطُبَةَ, غَرِيبًا في بِلادِهِ؟ وَكَيْفَ صَارَ التَّفْكِيرُ جَرِيمَةً؟ لَعَلَّ الإِجَابَةَ أَنَّنَا, بَعْدَ قُرُونٍ مِنَ الانْحِطَاطِ, عُدْنَا نَخَافُ مِنَ العَقْلِ بَدَلَ أَنْ نَحْتَفِلَ بِهِ. نَخَافُ مِنْ أَنْ يَقُودَنَا السُّؤَالُ إلى مَكَانٍ لا نُرِيدُ أَنْ نَذْهَبَ إِلَيْهِ. نَخَافُ مِنْ أَنْ يَتَزَعْزَعَ يَقِينُنَا. وَلٰكِنَّ اليَقِينَ الَّذِي يَخَافُ مِنَ السُّؤَالِ, لَيْسَ يَقِينًا. إِنَّهُ مَجَرَّدُ عَادَةٍ. خُطْوَةٌ نَحْوَ التَّوَازُنِ وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا. فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَا الصَّوْتِ ولا يَدْرِي. كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.

Ahmed Ali

Studio of Phronesis

فن رؤية الفجوة وإغلاقها ببراعة.

أكاديميٌّ، ومهندسُ أنظمة، ومتخصصٌ في القيادة والإدارة. أُسهم في بناء الأنظمة الملائمة، وتقديم المشورة، والتدريب، للمؤسسات التي لم تعد ترضى ببقاء الخلل، وتسعى إلى استدراك الفجوة.

© 2026 Ahmed Ali, Studio of Phronesis. جميع الحقوق محفوظة.

العين · أبوظبي · الإمارات العربية المتحدة