كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 4 · الموسم الأول
Englishالطاغية الذي فينا
The Tyrant Within
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ.
هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً.
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
في الحَلْقَةِ الماضِيَةِ، رَافَقَنا ابْنُ رُشْدٍ في رِحْلَةٍ مَدْهِشَةٍ، حَيْثُ اكْتَشَفْنا أَنَّ العَقْلَ والوَحْيَ لَيْسَا عَدُوَّيْنِ بَلْ صَدِيقَيْنِ جَمَعَتْهُما سُنَّةُ ٱللَّهِ في الأَرْضِ. وَقُلْنا عِنْدَئِذٍ إِنَّ ابْنَ رُشْدٍ يُعَلِّمُنا أَنْ نَفْهَمَ الحَقِيقَةَ بِعَقْلٍ نَيِّرٍ مُتَوَازِن. لٰكِنْ...
تَخَيَّلْ أَنَّكَ امْتَلَكْتَ هٰذَا العَقْلَ المُتَوَازِنَ، وَعَرَفْتَ كَيْفَ تُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِل، ثُمَّ, بَعْدَ كُلِّ هٰذَا, اسْتَخْدَمْتَ هٰذَا العَقْلَ لا لِتَفْهَمَ، بَلْ لِتُبَرِّرَ شَيْئًا تَعْرِفُ فِي قَرَارِكَ أَنَّهُ ظُلْم. هَل يُمْكِنُ لِلْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ أَداةً لِلشَّرِّ؟ وَإِنْ كَانَ الجَوَابُ نَعَم, فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِي هٰذَا الشَّرُّ؟ أَمِنَ القُلُوبِ الظَّالِمَةِ وَحْدَها؟ أَمْ أَنَّ الأَمْرَ أَعْمَقُ مِمَّا نَظُنُّ؟
هٰذَا سُؤَالُنَا اليَوْم. وَلِلْإِجَابَةِ عَلَيْهِ, لِنَعُدْ مِنْ حَيْثُ انْتَهَيْنا في الحَلْقَةِ المَاضِيَةِ، نُرابِطُ الخَيْطَ، وَنَمْضِي قُدُمًا.
خاتَمُ غِيغِيس: حِكايَةٌ عَنْ وَجْهِنَا الخَفِيِّ
في كِتَابِهِ «الجُمْهُورِيَّة»، رَوَى أَفْلاطونُ حِكايَةً لَمْ تُسَمَّعْ مِثْلَها. وَلِأَنَّنا رَكِبْنا مَعَهُ كَهْفَ الظِّلالِ فِي الحَلْقَةِ الثَّانِيَةِ، فَمِنَ المُناسِبِ أَنْ نُكْمِلَ الرِّحْلَةَ مَعَهُ هُنَا, لِأَنَّ هٰذِهِ الحِكايَةَ هِيَ الاِكْتِشَافُ الأَخْطَرُ الَّذي جَاءَ بَعْدَ الكَهْف.
قَالَ أفلاطون: تَخَيَّلْ رَاعِيًا بَسِيطًا يَرْعَى غَنَمَهُ فِي سَهْلٍ مُنْ بِلادِ لِيدْيَا. وَفي يَوْمٍ مِنَ الأَيّامِ، زَلْزَلَتِ الأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَانْفَتَحَتْ شَقَّةٌ في بَطْنِهَا كَشَفِّيرَةٍ إِلَى عالَمٍ آخَر. نَزَلَ الرَّاعِي, وَوَجَدَ دَاخِلَهَا جَسَدًا ضَخْمًا مُلْقًى عَلَى أَرْضِ مَسْطَّحَة، وَعَلَى إِصْبَعِهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ لا عَيْنٌ لَهُ.
أَخَذَ الرَّاعِي الخَاتَمَ وَصَعِدَ. وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ حَيَاتَهُ, وَحَيَاةَ كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ, سَتَتَغَيَّرُ إِلَى الأَبَد.
لِأَنَّ هٰذَا الخَاتَمَ, وَهٰذَا هُوَ جَوْهَرُ القِصَّةِ, لَهُ قُوَّةٌ سِحْرِيَّةٌ: مَنْ يَلْبَسْهُ يَصِيرُغير مَرْئِيًّا. لا يَرَاهُ أَحَدٌ. لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ. لا يُحَاسِبُهُ أَحَدٌ. يُصْبِحُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. والآنَ سَلْ نفسَكَ, بِصِدْقٍ شَدِيد, بِلا تَجَمُّل: لَوْ كُنْتَ مَكَانَ هٰذَا الرَّاعِي، لَبِسْتَ الخَاتَمَ، وَصِرْتَ خَارِجَ المُراقَبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ, أَيُّ سُلُوكٍ سَتَخْتَارُه؟
أَهَذا السُّؤَالُ يُزْعِجُكَ؟ إِذًا فَقَدْ أَرَادَ أفلاطون أَنْ يُزْعِجَكَ.
لِأَنَّ السُّؤَالَ الحَقِيقِيَّ الَّذي وَضَعَهُ أفلاطون لَيْسَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ الشَّرَّ؟», بَلْ: «هَلْ أَنْتَ صَالِحٌ بِذَاتِكَ، أَمْ أَنَّ صَلاحَكَ مَجَرَّدُ قِنَاعٍ تَرْتَدِيهِ ما دَامَتِ العُيُونُ مُصَوِّبَةً إِلَيْكَ؟»
تَأَمَّلْ هٰذَا جَيِّدًا. فَإِنْ كُنْتَ صَالِحًا لِأَنَّ أَحَدًا يُرَاقِبُكَ, فَأَنْتَ لَسْتَ صَالِحًا. أَنْتَ مُتَظَاهِرٌ. وَإِنْ كُنْتَ صَالِحًا لِأَنَّ القَانُونَ يُعَاقِبُكَ, فَأَنْتَ لَسْتَ صَالِحًا. أَنْتَ خَائِفٌ. الصَّلاحُ الحَقِيقِيُّ, فِي رُؤْيَةِ أفلاطون, هُوَ أَنْ تَفْعَلَ الخَيْرَ حَتَّى لَوْ لَبِسْتَ خَاتَمَ غِيغِيس. حَتَّى لَوْ أَمِنْتَ العِقَاب. حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ.
وَهُنا يَكْمُنُ الجَوْهَر: إِنَّ الإِجَابَةَ عَنْ سُؤَالِ أفلاطون لا تَكُونُ في مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. بَلْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَخْتَارُ فيها بَيْنَ الصَّوَابِ وَالسُّهُولَة. كُلُّ مَرَّةٍ تَقُولُ فيها الحَقَّ وَإِنْ غَضِبَ النَّاس, كُلُّ مَرَّةٍ تَنْصُفُ فيها المَظْلُومَ وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا, كُلُّ مَرَّةٍ تَرْفُضُ أَمْرًا ظَالِمًا وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْك, فَأَنْتَ تُجِيبُ أفلاطون: نَعَم، إِنِّي صَالِحٌ حَتَّى لَوْ لَبِسْتُ الخَاتَم.
وَلَكِنْ, مَنْ أَيْنَ يَأْتِي الشَّرُّ حَقِيقًا؟
نَعُودُ الآنَ مِنَ الخَيَالِ الفَلْسَفِيِّ إِلَى الوَاقِعِ. وَنَسْأَلُ: مَنْ أَيْنَ يَأْتِي الشَّرُّ الَّذي يُفَسِّدُ المُجْتَمَعَاتِ؟ هَلْ هُوَ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ شِرِّير؟ أَمْ أَنَّ الأَمْرَ أَعْمَقُ مِمَّا نَظُنُّ؟
هُنا يَحْضُرُ الفَارَابِيُّ, ذٰلِكَ العَبْقَرِيُّ الَّذِي سَمَّاهُ المُفَكِّرُونَ «المُعَلِّمَ الثَّانِي», لِيُقَدِّمَ لَنَا إِجَابَةً تُرْعِبُ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُها. في كِتَابِهِ العَظِيمِ «المَدِينَةُ الفَاضِلَةُ»، لَمْ يَكْتَفِ الفَارَابِيُّ بِوَصْفِ المَدِينَةِ العَادِلَة, كَمَا يَفْعَلُ الكَثِيرُونَ, بَلْ وَصَفَ أَضْدادَهَا أَيْضًا. تَخَيَّلْ خَرِيطَةً لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ: مِنْ «المَدِينَةِ الفَاضِلَةِ» حَيْثُ يَتَعَاوَنُ النَّاسُ عَلَى البِرِّ, إِلَى «المَدِينَةِ الجَاهِلَةِ» حَيْثُ لا يَعْرِفُ أَهْلُهَا الحَقَّ وَلا يَبْحَثُونَ عَنْهُ, إِلَى «المَدِينَةِ الفَاسِقَةِ» حَيْثُ يَعْرِفُونَ الحَقَّ وَيَتَجَاهَلُونَهُ, وَإِلَى «المَدِينَةِ المُبَدِّلَةِ» حَيْثُ يَسْتَبْدِلُونَ الحَقَّ بِالأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ.
وَمَا أَجْمَلَ ما قَالَهُ الفَارَابِيُّ: إِنَّ المَدِينَةَ الفَاضِلَةَ لا تُقَاسُ بِعَظَمَةِ بُنْيَانِهَا وَلا بِكَثْرَةِ ذَهَبِهَا, بَلْ بِعَظَمَةِ أَخْلاقِ أَهْلِهَا. فَإِنِ اصْطَلَحَتْ نُفُوسُهُمْ وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى, فَتِلْكَ هِيَ المَدِينَةُ الحَقِيقِيَّةُ، سَوَاءٌ بُنِيَتْ مِنَ المَرْمَرِ أَمْ مِنَ الطِّين. وَإِنْ تَفَرَّقَتْ نُفُوسُهُمْ وَظَلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَسَكَتَ الكَثِيرُونَ عَنِ الظُّلْم, فَلَيْسَتْ بِمَدِينَةٍ، سَوَاءٌ ارْتَفَعَتْ أَبْنِيَتُهَا إِلَى السَّمَاءِ.
تَأَمَّلْ كَيْفَ يَرْبِطُ الفَارَابِيُّ سُؤَالَ أفلاطون بِوَاقِعِ المُجْتَمَع: إِنَّ صاحِبَ خَاتَمِ غِيغِيسَ لَمْ يَعُدْ شَخْصًا وَاحِدًا, بَلْ صَارَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا كُلَّ يَوْم. كُلُّ مَرَّةٍ نَعْرِفُ فِيها الحَقَّ وَنَسْكُت, نَكُونُ قَدْ لَبِسْنَا الخَاتَمَ. وَكُلُّ مَرَّةٍ نَرْفُضُ فِيها أَنْ نَتَكَلَّمَ, نَكُونُ قَدْ أَصَبَحْنا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ الفَاسِقَةِ.
وَنَعُودُ إِلَى شَوَارِعِنَا وَشَاشَاتِنَا
لَسْتَ نَظُنُّ, كَمَا يَظُنُّ الكَثِيرُونَ, أَنَّ الطَّاغِيَةَ شَخْصٌ بَعِيدٌ يَجْلِسُ عَلَى عَرْشٍ. كَلا. الطَّاغِيَةُ الَّذي يَهُمُّنَا اليَوْمَ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِمَّا تَظُنُّ, يَسْكُنُ في الهَاتِفِ الَّذي تَحْمِلُهُ، وَفِي التَّطْبِيقِ الَّذي تَصَفَّحُهُ، وَفي اللَّحْظَةِ الَّتي تَمُرُّ بِهَا صَامِتًا عَلَى ظُلْمٍ لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ.
اِفْتَحْ مُعَدِّلَ الأَخْبَارِ, وَاقْرَأْ تَعْلِيقًا وَاحِدًا. تَعْلِيقًا قَاسِيًا كُتِبَ بِأَصَابِعِ بَشَرِيَّةٍ حَقِيقِيَّة. رُبَّمَا اسْتُهْزِئَ بِشَخْصٍ غَرِيبٍ لا يَعْرِفُهُ الكَاتِب، أَوْ نُشِرَتْ إِشَاعَةٌ مُفْتَرَاةٌ عَنْ جَار، أَوْ شَارَكَ أَحَدُهُمْ مَنْشُورًا يَحُضُّ عَلَى الكَرَاهِيَةِ, ثُمَّ مَضَى إِلَى حَيَاتِهِ كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ.
هٰذَا, بِعَيْنِهِ, هُوَ خَاتَمُ غِيغِيسَ فِي ثَوْبٍ جَدِيد. المُتَنَمِّرُ وَرَاءَ الشَّاشَةِ لا يَرَى دَمْعَةَ ضَحِيَّتِهِ. لا يَسْمَعُ ارْتِعَادَ صَوْتِهَا. يَطْبَعُ كَلِمَاتٍ ثَقِيلَةً بِأَصَابِعِ خَفِيفَة, ثُمَّ يُغْلِقُ الهَاتِفَ وَيَنَام. وَلِمْ يَدْرِ أَحَدٌ, فَهُوَ «مَرْئِيٌّ» خَلْفَ شَاشَتِهِ.
وَلَكِنْ هُناكَ شَكْلٌ آخَرُ أَخْطَرُ مِنَ التَّنْمُر, أَلَا وَهُوَ الصَّمْت.
صَمْتُكَ أَمَامَ الظُّلْمِ لَيْسَ حَيَادًا, إِنَّهُ مُوَافَقَةٌ صَامِتَة. كُلَّمَا رَأَيْتَ ظُلْمًا وَلَمْ تَنْطِق, كُلَّمَا شَاهَدْتَ بَاطِلًا وَسَكَتَّ, كُلَّمَا مَرَّ بِكَ مَظْلُومٌ وَتَظَاهَرْتَ بِأَنَّكَ لَمْ تَرَ, فَقَدْ لَبِسْتَ خَاتَمَ غِيغِيسَ. وَلَقَدْ قَالَ المُتَنَبِّي بِحِكْمَةِ الشُّعَرَاءِ: وَالظُّلْمُ مُرُّ المَذَاقَةِ مَمْزُوجٌ بِصَبْرِ كُلِّ مُكَابِد. وَمَعَ ذٰلِكَ, فَأَخْطَرُ مِنَ الظُّلْمِ أَنْ تَسْكُتَ عَنْهُ فَتَرَاهُ عَادِيًّا.
وَفي عَصْرِ الجُمُوعِ الرَّقْمِيَّةِ، صَارَ الصَّمْتُ أَسْهَلَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. تَتَصَفَّحُ خَبَرًا مُزْعِجًا, تُغَلِّقُ التَّطْبِيقَ, وَيَمْضِي يَوْمُكَ. تَرَى مَظْلُومًا يُسْتَهْزَأُ بِهِ, تَمُرُّ مُسْرِعًا, وَلا تَتَوَقَّف. وَفي المُجْمَل, يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ عَادِيًّا. وَلٰكِنْ, بِحَسَبِ الفَارَابِيِّ وَأفلاطون, جَمِيعُهُمْ يُخْبِرُونَكَ أَنَّكَ لَسْتَ بَرِيئًا. فَالحَيَادُ أَمَامَ الظُّلْمِ لَيْسَ حَيَادًا, بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ في صَفِّ الظُّلْم.
فَمَا الحَلُّ؟
لا أَدَّعِي أَنَّ عِنْدِي وَصْفَةً سِحْرِيَّةً. وَلَكِنِّي أَقْتَرِحُ عَلَيْكَ, كَمَا اقْتَرَحَ الفَلاسِفَةُ عَلَى مُعَاصِرِيهِم, ثَلاثَ خُطُوَات بَسِيطَةٍ تُسْتَوْحَدُ فِيهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ: رَغْبَةً في أَنْ يَكُونَ صَالِحًا حَتَّى لَوْ لَبِسَ خَاتَمَ غِيغِيس.
ثانِيًا: أَنْ تَتَخَيَّلَ الآخَر. ثَلاثُ ثَوَانٍ مِنَ التَّخَيُّلِ كَفِيلَةٌ بِأَنْ تَمْنَعَ كَلِمَةً قَاسِيَة. فَتَخَيَّلْ وَجْهَ ذٰلِكَ الإِنْسَانِ خَلْفَ الشَّاشَةِ, تَخَيَّلْ أَنَّهُ أَبٌ أَوْ أُمٌّ أَوِ ابْنٌ أَوْ صَدِيق. تَخَيَّلْ أَنَّهُ مِثْلُكَ, يُحِبُّ وَيَأْلَمُ وَيَخْجَل. وَهٰذِهِ, بِعَيْنِهَا, حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَرَدَتْ في الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». وَكَأَنَّ هٰذَا الحَدِيثَ يَقُولُ لَنَا: خَاتَمُ غِيغِيسَ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ مَكَانَ الآخَر.
ثَالِثًا: أَنْ تُطَوِّرَ ضَمِيرَكَ كَمَا تُطَوِّرُ مَهَارَاتِك. الضَّمِيرُ لَيْسَ شَيْئًا وُلِدْتَ بِهِ كَامِلًا, إِنَّهُ عَضَلَةٌ تَقْوَى بِالمُرَان. وَكُلَّمَا مَارَسْتَ التَّفْكِيرَ الأَخْلاقِيَّ, كُلَّمَا سَأَلْتَ نَفْسَكَ قَبْلَ الفِعْل, كُلَّمَا رَفَضْتَ أَمْرًا ظَالِمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا إِلَيْكَ, تَقَوَّى ذٰلِكَ الضَّمِيرُ حَتَّى يَصِيرَ بَوْصَلَةً لا تَضِلُّ وَمِعْيَارًا لا يَكْذِب.
تَذَكَّرْ دَائِمًا: الطَّاغِيَةُ الحَقِيقِيُّ لا يَسْكُنُ القُصُورَ وَحْدَهُ. يَسْكُنُ المَكَاتِبَ وَالشَّاشَاتِ وَالجُمُوعَ الصَّامِتَة. وَأَخْطَرُ طُغَاةِ العَصْرِ لَيْسُوا مَنْ يَمْلِكُونَ الأَسْلِحَة, بَلْ مَنْ يَمْلِكُونَ الأَعْذَار. وَكُلُّ عُذْرٍ تُسَلِّمُهُ لِعَقْلِكَ حَتَّى لا يُفَكِّر, هُوَ سَيْفٌ رَفِيعٌ تَطْعَنُ بِهِ ضَمِيرَكَ قَبْلَ أَنْ تَطْعَنَ بِهِ غَيْرَكَ.
وَلَكِنْ, وَهٰذَا سُؤَالٌ يَطْرَحُ نَفْسَهُ بِشِدَّةٍ, إِنْ كَانَ الشَّرُّ يَتَسَلَّلُ بِهٰذِهِ البَسَاطَةِ، وَإِنْ كَانَ الطُّغَاةُ الجُدُدُ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجْعَلُونَنا نُطِيعُ بِلَا إِحْساس, فَهَلْ نَحْنُ أَصْلًا أَحْرَارٌ؟
أَمْ أَنَّ الطَّاغِيَةَ, خَارِجَنَا وَدَاخِلَنَا, تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَجْعَلُنَا نُحِبُّ قُيُودَنَا؟
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ فِي القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذَهِ الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
