كل الحلقات
Echoes of Wisdom · حلقة 6 · الموسم الأول
Englishاللُّغَةُ تُشَكِّلُ الوَاقِعَ
Language Shapes Reality
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ
في زَحامِ العَصْرِ، وقَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بِنا السَّيْلُ, نَقِفُ مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ
هٰذَا «أَصْدَاءُ الحِكْمَةِ», رِحْلَةٌ في الفِكْرِ لا تَطْرَحُ أَجْوِبَةً، بَلْ تُلْهِمُ أَسْئِلَةً
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
مَشْهَدٌ مِنْ عالَمٍ بِلا كَلِمَة
تَخَيَّلْ, وَهِيَ دَعْوَةٌ لِلتَّأَمُّلِ لا لِلخَيالِ المُطْلَق, أَنَّكَ وُلِدْتَ في عالَمٍ لا يَعْرِفُ كَلِمَةَ «حُرِّيَّة». لا تَسْمَعُها مِنْ أَحَد، ولا تَقْرَؤُها في كِتاب، ولا تَجِدُها في أَيِّ مُعْجَمٍ أوْ حِوارٍ أوْ صَلاة. كُلُّ ما حَوْلَكَ مِنْ كَلِماتٍ يَتَحَدَّثُ عَنِ الطَّاعَةِ والانْقِيادِ والنِّظامِ والسُّكُونِ والارْتِياح. في هٰذَا العالَم, أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَشْعُرَ بالحُرِّيَّة؟ أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَطْلُبَها؟ أَمْ أَنَّكَ سَتَعِيشُ عُمُرًا كامِلًا لا تَعْرِفُ فيهِ أَنَّ شَيْئًا ما ناقِص؟
هٰذَا السُّؤالُ لَيْسَ تَمْثِيلًا فَكَرِيًّا فَحَسْب, بَلْ هُوَ مِفْتاحٌ لِفَهْمِ أَحَدِ أَعْمَقِ الأسْئِلَةِ الَّتي واجَهَتِ الفِلْسَفَةَ مُنْذُ فَجْرِها: هَلِ اللُّغَةُ مُجَرَّدُ أَداةٍ نَسْتَخْدِمُها لِوَصْفِ العالَم أَمْ أَنَّها هِيَ الَّتي تَصْنَعُ العالَمَ نَفْسَهُ؟ مَنْ يَمْلِكُ الكَلِماتِ يَمْلِكُ الواقِع. ومَنْ يَسْلُبُكَ الكَلِمَةَ يَسْلُبُكَ العالَم.
هُنا يَحْضُرُ أَحَدُ أَعْظَمِ فَلاسِفَةِ القَرْنِ العِشْرِين: لُودْفِيغْ فيتغنشتاين. هٰذَا الفَيْلَسُوفُ النَّمْساوِيُّ الَّذي عاشَ حَياةً مُلْهِمَةً بِكُلِّ ما فيها مِنْ تَناقُضات, مِنْ طالِبٍ في حَلْقَةِ بِيرْترانْد راسِل إلى مُعَلِّمٍ في قَرْيَةٍ نائِيَة, قَدَّمَ فِكْرَةً مُزَعْزِعَةً في كِتابِهِ الأَوَّلِ «التَّرْتِيبُ المَنْطِقِيُّ الفِلْسَفِيُّ». لَخَّصَها في جُمْلَةٍ بَلِيغَة: «حُدودُ لُغَتي تُمَثِّلُ حُدودَ عالَمي». أَيْ أَنَّ ما لا تَسْتَطِيعُ لُغَتُكَ أَنْ تَقُولَهُ, لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْكِرَ فيهِ حَقًّا. العِبارَةُ الَّتي لا تَجِدُ كَلِماتِها تَبْقى سارِبَةً في العَقْل، كَطُيُورٍ بِلا أَجْنِحَة.
فيتغنشتاينُ يَقُولُ لَنا بِصَراحَةٍ مُؤْلِمَة: كَثِيرٌ مِنْ مَشاكِلِنا الفِلْسَفِيَّةِ والوُجودِيَّةِ لَيْسَتْ مَشاكِلَ حَقِيقِيَّة, بَلْ هِيَ أَسْئِلَةٌ وُلِدَتْ مِنْ إِساءةِ اسْتِخْدامِ اللُّغَة. كَمْ مِنْ خِلافٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ كانَ جَذْرُهُ أَنَّهُما يَسْتَخْدِمانِ نَفْسَ الكَلِمَةَ في «لُعْبَةِ لُغَة» مُخْتَلِفَة؟ كَمْ مِنْ حَرْبٍ كَلِماتِيَّةٍ كانَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْتهيَ لَوْ أَدْرَكْنا أَنَّنا نَلْعَبُ في مِلْعَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْن؟
وما دُمْنا في رِحابِ اللُّغَة، فَلْنَعُدْ إلى تُراثِنا العَرَبِيِّ الإِسْلامِيِّ، حَيْثُ يَنْتَظِرُنا عَلاَمَةٌ عَظِيمٌ لا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَتَحَدَّثُونَ باسْمِ الفِكْرِ الفَلْسَفِيِّ وَهُمْ يَتَجاهَلُونَهُ. عَبْدُ القاهِرِ الجَرْجانيُّ, ذٰلِكَ العَبْقَرِيُّ الَّذي وُلِدَ في الجُرْجَانِ في القَرْنِ الخامِسِ الهِجْرِيِّ, قَدَّمَ في كِتابَيْهِ «دَلائِلُ الإِعْجاز» و«أَسْرارُ البَلاغَة» نَظْرِيَّةً ثَوْرِيَّةً تُغَيِّرُ نَظْرَتَنا إِلَى اللُّغَةِ بالكامِل.
الجَرْجانيُّ يَقُولُ: إِنَّ مُعْجِزَةَ القُرآنِ الكَرِيمِ لَيْسَتْ في مُفْرَداتِه, فَالكَلِمَةُ نَفْسُها قد تَكُونُ مَأْلُوفَةً مَعْرُوفَةً لِلعَرَب, بَلْ في «نَظْمِه». والنَّظْمُ عِنْدَهُ لَيْسَ تَرْتِيبَ الكَلِماتِ فَحَسْب، بَلْ هُوَ «تَأْلِيفُ الكَلِماتِ بِحَيْثُ تُعْطِي مَعانِيَ جَدِيدَةً لا تَكُونُ في أَيٍّ مِنْها وَحْدَها». أَيْ أَنَّ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ لا تَمْلِكُ مَعْناها الحَقِيقِيَّ إِلّا في نِسْقِها، في تَرْكِيبِها، في سِياقِها.
وإِذا كانَ النَّظْمُ هُوَ سِرَّ البَلاغَةِ, فَالسُّؤالُ الَّذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ هُوَ: مَنْ يَمْلِكُ فَنَّ النَّظْمِ في عَصْرِنا؟ الإِعْلامُ يَصْنَعُ نَظْمَهُ الخَاصّ، والمُوَثِّقُونَ يَبْنُونَ سِياقاتِهِم، وحَتَّى الخَوارِزْمِيَّاتُ الَّتي تُغَذِّي مَلَفَّاتِكَ الشَّخْصِيَّةَ تَعْرِفُ أَيُّ نَظْمٍ يُغْرِيكَ ويُثيرُ غَضَبَك. نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنا نُقْرِرُ وَحْدانا, بَيْنَما الحَقِيقَةُ أَنَّ أَحَدًا آخَرَ يُرَتِّبُ لَنا الكَلِماتِ كَما يُرَتِّبُ بائِعُ الأَزْهارِ بَاقاتِهِ.
وإِذا كانَتِ الكَلِماتُ تَبْني العالَم, فَماذا يَحْدُثُ حِينَ تُسَلَّحُ السُّلْطَةُ بِها؟ في رِوايَتِهِ الخالِدَة «أَلفٌ وتِسْعُمِائَةٌ وأَرْبَعٌ وثَمانُون»، وَصَفَ الكاتِبُ البِرِيطانِيُّ جُورْجُ أُورْوِلُّ عالَمًا تُسَيْطِرُ فيهِ دَوْلَةٌ شُمُولِيَّةٌ عَلَى العُقُول مِنْ خِلالِ اللُّغَة. أَخْرَجَ أُورْوِلُّ تَصَوُّرًا رَهِيبًا سَمَّاهُ «اللُّغَةُ المُوَحِّدَة», لُغَةٌ جَدِيدَةٌ تُزِيلُ مِنَ القامُوس كُلَّ كَلِمَةٍ قَدْ تُثيرُ التَّمَرُّدَ أَوِ التَّفْكِيرَ النَّقْدِيّ. لا تَوْجَدُ كَلِمَةُ «حُرِّيَّة», لأَنَّ مَنْ لا يَمْلِكُ اسْمَ الشَّيءِ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطْلُبَهُ. لا تَوْجَدُ كَلِمَةُ «عَدالَة», لأَنَّ مَنْ لا يَعْرِفُ أَنَّ ظُلْمَهُ ظُلْمٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَصِر.
وإِذا رَجَعْنا إلى مَشْهَدِنا الأَوَّل, عالَمٍ بِلا كَلِمَة «حُرِّيَّة», تَتَضَحُ الرُّؤْيَةُ: أُورْوِلُّ لَمْ يَكُنْ يَتَنَبَّأ, بَلْ كانَ يَصِف. فَفي عالَمِنا اليَوْم، نَرَى كَيْفَ تُعادُ صِياغَةُ الكَلِماتِ لِخِداعِ الوَعْيِ الجَمْعِيّ. «إِصْلاح» بَدَلًا مِنْ «قَمْع»، و«تَحْرِير» بَدَلًا مِنْ «تَدْمِير»، و«تَهْدِئَة» بَدَلًا مِنْ «احْتِلال»، و«تَصْحِيح» بَدَلًا مِنْ «رَقابَة». الكَلِمَةُ الَّتي تُسْتَخْدَمُ في خَطابٍ سِياسِيٍّ لا تُصِفُ الوَاقِع, بَلْ تَبْني مُتاهَةً نَسْكُنُها بِطِيبَةِ خاطِر، نَظُنُّ أَنَّنا فيها حُرَّار.
وإِذا انْتَقَلْنا مِنَ السِّياسَةِ إِلَى الشَّاشات, كانَ المَشْهَدُ أَكْثَرَ إِقْلاقًا. في زَمَنِ السُّوشالِ مِيديا والتَّغْرِيداتِ والرِّسالَةِ القَصِيرَة، أَصْبَحَ سُؤالُ اللُّغَةِ أَكْثَرَ إِلْحاحًا مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضى. لُغَةُ التَّغْرِيدِ تَقْتُلُ التَّعْقِيلَ وتُعَظِّمُ الانْفِعال. تِلْكَ المِنَصَّةُ الَّتي تُعْطِي كُلَّ كَلِمَةٍ مِساحَةَ ثَوانٍ مَعْدُودَة, كَيْفَ يُمْكِنُها أَنْ تَحْمِلَ فِكْرًا عَمِيقًا؟
نَحْنُ نُخَوِّنُ بِتَغْرِيدَة، ونَحْكُمُ بِإِعادَةِ نَشْر، ونَسْتَنْكِرُ بِقَلْبٍ بِلا تَعْلِيق. أَصْبَحَ الرَّأْيُ أَقْرَبَ إِلَى الاِنْفِجار مِنْهُ إِلَى التَّأَمُّل. وهٰذا, بِعِبارَةِ فيتغنشتاين, لَيْسَ فِلْسَفَةً؛ بَلْ هُوَ انْهِيارٌ لُغَوِيٌّ يَنْعَكِسُ انْهِيارًا في الوَعْي.
والأَخْطَرُ أَنَّ لُغَةَ السُّوشالِ مِيديا تَخْلِقُ تَصْنِيفًا سَطْحِيًّا قاتِلًا: أَنْتَ مَعَنا أوْ ضِدَّنا، مُتَطَرِّفٌ أوْ عَمِيل، بَطَلٌ أوْ خائِن. كَلِماتٌ ثِقالٌ تَسْحَقُ التَّعْقِيدَ الإِنْسانِيَّ كُلَّهُ في حَرْفَيْن. شَعارٌ قَصِيرٌ يَنْتَشِرُ أَكْثَرُ مِنْ كِتابٍ مُحَكَّم، وسَخْرِيَةٌ لاذِعَةٌ تُفوزُ بِالإِعْجابِ أَكْثَرَ مِنْ حُجَّةٍ مَنْطِقِيَّة. وما يَنْتَهي إِلَيْهِ الأَمْرُ أَنَّنا نَفْقِدُ الرَّغْبَةَ في التَّفْكِيرِ, لأَنَّ اللُّغَةَ ذاتَها لمْ تَعُدْ تَسْتَحِقُّ التَّفْكِير.
وماذا عَنِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ؟ هٰذَا الكائِنُ الَّذي يُعِيدُ صِياغَةَ كُلِّ ما نَكْتُبُهُ ويُقَدِّمُهُ في لُغَةٍ مُصْقُولَة مُتَشابِهَة, أَلا يُشَكِّلُ خَطْوَةً أُخْرى في تَقْيِيدِ اللُّغَة؟ حِينَ يَكْتُبُ المَلايِينُ بِنَفْسِ الأُسْلُوبِ وبِنَفْسِ التَّراكِيبِ الَّتي يُلْهِمُها مُحَرِّكٌ واحِد, نَبْدَأُ بِفَقْدانِ تَنَوُّعِ الأَصْوات. واللُّغَةُ بِدُونِ تَنَوُّع تَفْقِدُ حَيَوِيَّتَها, تَصْبَحُ قَالَبًا واحِدًا نَصُبُّ فيهِ كُلَّ تَجْرِبَة إنْسانِيَّة، فَيَخْسَرُ كُلٌّ مِنّا شَخْصِيَّتَهُ في خِضمِّ اللَّفْظِ المُسَطَّح.
وإِذا كانَ الطَّاغِيَةُ, كَما رَأَيْنا في الحَلْقَةِ الرَّابعَةِ, لا يَحْتاجُ إِلَى سَوْطٍ ولا سِجْن، فَإِنَّ سِلاحَهُ الأَخْطَرَ هُوَ الكَلِمَة. أفلاطون أَخْبَرَنا بِخَاتَمِ غِيغِيسَ أَنَّ صاحِبَ الظُّلْمِ لا يَكُونُ دَائِمًا وَحْشًا ضارِيًا, بَلْ قَدْ يَكُونَ إِنْسانًا عادِيًّا لَبِسَ خاتَمَ الاِنْفِلاتِ مِنَ المُحاسَبَةِ. والفارابِيُّ وَصَفَ لَنا «المَدِينَةَ الجاهِلَة» حَيْثُ لا يَعْرِفُ أَهْلُها الحَقَّ لأَنَّ لُغَتَهم لمْ تُعَرِّفْهُمْ بِه. أَلَسْتَ تَرى أَنَّ «عادِيَّةَ الشَّرِّ» الَّتي حَذَّرَ مِنْها خاتَمُ غِيغِيسَ تَبْدَأُ مِنْ أَنْ نُسَمِّيَ الشَّرَّ باسِمٍ آخَر؟ أَنْ نَقُولَ «إِصْلاح» لِلقَمْع، و«نِظام» لِلاسْتِبداد، و«حِيادِيَّة» لِلْمُوافَقَةِ الصَّامِتَة؟ مَنْ يَمْلِكُ الكَلِماتِ يَمْلِكُ أَنْ يُسْكِتَ الضَّمِيرَ قَبْلَ أَنْ يُوْلَد. ومَنْ سَلَبَكَ اللُّغَةَ سَلَبَكَ القُدْرَةَ عَلى أَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ ظُلِمْتَ.
إِذًا, ما عَلاقَتُكَ أَنْتَ؟
السُّؤالُ لَيْسَ فَلْسَفِيًّا بَعِيدًا عَنْ حَياتِك, بَلْ يَمَسُّ كُلَّ لَحْظَةٍ تَنْطِقُ فيها. حِينَ تَقُولُ «أَنا فاشِل», أَلَمْ تُصَنِّعْ واقِعًا بِهٰذِهِ الكَلِمَة؟ حِينَ تُسَمِّي طِفْلَكَ «غَبِيًّا», أَلَمْ تَبْنِ لَهُ سِجْنًا مِنْ مُفَرَّدات؟ حِينَ تَصِفُ شَخْصًا بِـ«مُتَطَرِّف» أَوْ «عَمِيل», أَلَمْ تُسْدِلَ حِجابًا عَلَى كُلِّ تَعْقِيدٍ إِنْسانِيٍّ يَحْمِلُهُ ذٰلِكَ الشَّخْص؟ الكَلِماتُ لا تَنْعَكِسُ عَلَى الوَاقِعِ فَحَسْب, بَلْ تُعِيدُ تَشْكِيلَهُ كُلَّ مَرَّةٍ نُطْقِناها.
لِذٰلِكَ كانَ السَّلَفُ يَحْذَرُونَ مِنَ اللِّسانِ أَكْثَرَ مِمّا يَحْذَرُونَ مِنَ السَّيْف, لأَنَّ جُرْحَ الكَلِمَةِ لا يَنْدَمِل بِمُرْهَم، ولأَنَّ وَهْمَها يَسْري في الوَعْي كَما يَسْري السُّمُّ في الدَّم، ولأَنَّ الكَلِمَةَ, حينَ تَسْقُطُ, لا يُمْكِنُ أَبَدًا أَنْ تُرْفَع.
صِياغَةُ الوَعْيِ الجَدِيد
الخَلاصَةُ الَّتي نَنْبَثِقُ بِها مِنْ هٰذِهِ المَحَطَّةِ مُفاجِئَةٌ في بَساطَتِها العَمِيقَة: إِذا كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُغَيِّرَ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِك, فابْدَأْ بِتَغْيِيرِ كَلِماتِكَ كَما تُغَيِّرُ وَجْهَ بَيْتِكَ في الرَّبِيع. راقِبْ مُفْرَداتِكَ اليومِيَّة كَما يُراقِبُ الطَّبِيبُ نَبْضَ المَرِيض. أَيُّ كَلِماتٍ تُكَرِّرُها؟ وأَيُّ عالَمٍ تَبْنيهِ بِها؟ لا تَقُلْ «أَنا ضَعِيف», قُلْ «أَنا أَتَعَلَّم». لا تَقُلْ «هٰذَا مُسْتَحِيل», قُلْ «لَمْ أَكْتَشِفْ بَعْدُ الطَّرِيقَ إِلَيْه». الفَرْقُ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ لَيْسَ أَدَبِيًّا, بَلْ وُجودِيًّا. الأُولَى تَبْني سِجْنًا، والثّانِيَةُ تَفْتَحُ بابًا.
وإِذا كانَتِ اللُّغَةُ, كَما رَأَيْنا, تُشَكِّلُ عُقُولَنا وتَبْني مَعارِفَنا... فَماذا عَنْ قُلُوبِنا؟ هَلْ لِلْفِلْسَفَةِ أَنْ تُشْفي أَرْواحَنا؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَ في التَّأَمُّلِ الفِلْسَفِيِّ ما نَبْحَثُ عَنْهُ في العِلاجِ النَّفْسِيّ؟
هٰذَا ما سَنَتَأَمَّلُهُ سَوِيًّا في الحَلْقَةِ القادِمَة, حَيْثُ نَدْخُلُ مَحَطَّةً أَقْرَبَ إِلَى الرُّوحِ مِنْ كُلِّ ما سَبَق. مَحَطَّةً عَنِ الشِّفاءِ والمَعْنى والأَمَل. لا تَفُوتُوها, فَرُبَّما كانتْ الحَلْقَةُ الَّتي كانَ قَلْبُكَ يَنْتَظِرُها.
وقَبْلَ أنْ نَمْضِيَ إلى حَيَاتِنَا, دَعُوا حِكْمَةَ هٰذِهِ الحَلْقَةِ تَسْكُنُ فيكُم سَاعَةً؛ فَلَيْسَ أَقْوَى مِن فِكْرَةٍ حَقَّتْ في القَلْبِ، وَلَيْسَ أَنْفَعَ مِن حَقِيقَةٍ أَضاءَتْ طَرِيقًا.
فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَمِعْتُم مَا لَامَسَ عُقُولَكُم, فَشَارِكُوهُ مَعَ مَنْ تُحِبُّونَ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ أَحَدًا بِحَاجَةٍ إلى هٰذِهِ الصَّوْتِ ولا يَدْرِي.
كَانَ مَعَكُم: أَحْمَدُ عَلِيٍّ, وَإِلَى لِقَاءٍ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.
