علم النفس
علم النفس · مقال
Englishالمسّ والمعنى: المرض النفسي بين تشريح الدماغ وتفسير النص
أحمد علي·١ يوليو ٢٠٢٦·١٥ دقيقة قراءة
## تمهيد
لا تزال مسألةُ رَدّ الأمراض النفسية إلى مسّ الجانّ وتحكّمه في إرادة الإنسان تَحظى بقبولٍ واسعٍ في بعض الأوساط الإسلامية، حتى صار هذا التفسير هو الأصلَ الذي يُرجَع إليه عند ابتلاء الإنسان بما يَعجز عنه من اضطرابٍ نفسيٍّ أو عقلي، ويُؤخّر صاحبَه عن طلب العلاج الطبي ويرسّخ في نفسه وصمةً اجتماعيةً تجعله يحجم عن الاعتراف بمرضه فضلاً عن مداواته. ولا تزال هذه النظرة تستند إلى فهمٍ قديم للطب النفسي يقف عند ثنائية «مرض عضوي مقابل مرض نفسي»، وإلى قراءةٍ لبعض النصوص الشرعية لا تتحمّل ما يُحَمَّل عليها، وإلى استدلالٍ بمشاهداتٍ شخصيةٍ لا تبلغ مرتبة اليقين الذي يُبنى عليه حكمٌ عام. وهذا البحث يسعى إلى إعادة النظر في تلك المسألة من ثلاث جهات: ما أثبته الطب النفسي الحديث من أسبابٍ عضوية للأمراض التي كانت تُعدّ نفسيةً محضة، ثم ما تفيده النصوص الشرعية التي يُستدلّ بها على دخول الجنيّ في بدن الإنسان وتحكّمه في إرادته، ثم ما يَنبغي أن نَفهمه من الاستدلال بالمشاهدة في مسائل لا يُدرَك فيها المحسوس إلا ظاهراً ويَغيب فيها الباطن عن الإدراك المباشر.
## أولاً: ما أثبته الطب النفسي الحديث
قسّم الطب النفسي القديم الأمراض إلى عضويةٍ ونفسية، ثم قسّم النفسية منها إلى ذهانيةٍ وعصابية، وكان هذا التقسيم معرفياً لا وجودياً بمعنى أنّه كان تقسيماً للتصنيف والدراسة لا إثباتاً لانفصال المرض النفسي عن substratum مادي في الجسد، غير أنّ كثيراً من الأطباء والمفكرين وقفوا عند ظاهر هذا التقسيم فظنّوا أنّ المرض النفسي شيءٌ لا علاقة له بالعضو، وأنّ المريض النفسي مريضٌ بلا علّةٍ في الجسد، وهو فهمٌ لم يَكن دقيقاً يوم وُضع فضلاً عن اليوم. فإنّ الطب النفسي الحديث وعلم الأعصاب يُقرّران اليوم أنّ أمراضاً كانت تُعدّ في الماضي نفسيةً محضة ذاتُ خلفيةٍ عضويةٍ وتشريحيةٍ وفسيولوجية، ويشمل ذلك الاكتئاب والفصام واضطراب ثنائي القطب وغيرها ممّا كان يُصنّف ضمن الذهانات أو العُصاب، وقد تَبَدّى ذلك نتيجةً لكشوفٍ حديثةٍ خلال العقدين الماضيين بفضل تطوّر تقنيات التصوير العصبي ودراسة النواقل الكيميائية والجينات، ولا تزال الكشوف تتقدّم وفهمنا لهذه الأمراض يزداد، وبالتالي تتّسع قدرتنا على معالجتها.
وعلى هذا الأساس تُعَدّ الاضطرابات النفسية اليوم أعراضاً وانعكاساً لخللٍ في وظائف الدماغ نتيجةَ عوامل عضوية متعددة ومتداخلة: كيمياء الدماغ وتغيّرات النواقل العصبية، والجينات والوراثة، وتغيّرات هيكلية وتشريحية وفسيولوجية في بنية الدماغ، وأخيراً الهرمونات كما نَرى في اكتئاب ما بعد الولادة وفي اضطرابات الغدة الدرقية، وكلّ هذه العوامل قابلةٌ للقياس والملاحظة والدراسة بالأدوات العلمية التي تَتطوّر يوماً بعد يوم.
وليس هذا كلاماً نظرياً نُلقيه على سبيل الاستشهاد العام، بل هو واقعٌ يَعيشه المُمارسُون في العيادات النفسية، فالمريض الذي يَأتي بأعراض الاكتئاب الشديد قد يُكتَشف أنّ وراء اكتئابه خللاً في الغدة الدرقية أو نقصاً في فيتامين د أو اضطراباً في الهرمونات، والذي يَأتي بأعراض الفصام قد يُظهر التصوير العصبي في دماغه تغيّراتٍ بنيويةً في مناطق محددة، والذي يَأتي بتقلّبات المزاج الحادّة قد يَستجيب لمعدّلاتٍ مزاجيةٍ تُعيد توازن النواقل العصبية لديه، وهذه ليست فرضياتٍ بل مشاهداتٌ متكررةٌ في العيادات والمستشفيات حول العالم، يَتأكّد منها كلُّ من زار عيادةً نفسيةً أو عمل فيها، ولا يُمكن دفعها بأنّ الطب النفسي ليس طبّاً أو أنّه لا يَستند إلى علم، وهو ما يَغيب عن كثيرٍ ممن يقفون عند ثنائية «أمراض نفس مقابل أمراض جسد» ومن يَفْتُون بأنّ الطب النفسي ليس طبّاً ولا علماً، ممّن لم يُسعفهم تعليمهم وعدم تخصّصهم في متابعة التغيّرات التي تجري بوتيرةٍ متسارعةٍ في هذا الفرع وغيره من فروع الطب، ولا يزال بعضهم يستقي معلوماته عن الطب النفسي من كتاباتٍ تعود إلى ستينيات القرن العشرين، بل لعلّ بعضهم يظنّ الطب النفسي اليوم مبنياً على فرضيات فرويد، ولا يدري أنّ الطب النفسي الحديث قد قبر أغلبها ولم يبقَ منها إلا ما يُدرَّس في كتب التاريخ لا في كتب العلاج.
## ثانياً: نظر الفلاسفة والمتصوفة في علاقة النفس بالبدن وقبل ذلك في ماهية الدليل واليقين
وقبل أن ننتقل إلى النصوص الشرعية، يَنبغي أن نقف وقفةً قصيرةً عند ما قاله فلاسفة الإسلام ومتصوفته في علاقة النفس بالبدن، فإنّ في كلامهم ما يُلقي ضوءاً على المسألة من زاويةٍ لا يَنتبه إليها مَن يَقتصر على النقل عن الأطباء أو عن المحدّثين دون أن يَجمع بين المعرفتين.
أما ابن سينا، فقد كان من أوائل من فصّلوا في علاقة النفس بالبدن تفصيلاً يَدخل في باب الفلسفة الطبية، فعدّ النفس جوهراً مفارقاً للبدن في ذاته لكنّه مُتعَلّق به تعلّق التدبير والتصريف، وقال إنّ للنفس قوىً متعددةً بعضُها ماديٌّ يَعمل بالآلة البدنية كالحسّ والحركة، وبعضُها مجرّدٌ عن المادة كالعقل النظري، وحدَث عن «المرض النفسي» بوصفه خللاً في القوى البدنية التي تَستعملها النفس لا خللاً في جوهر النفس ذاتها، بمعنى أنّ النفس لا تَمرض في جوهرها وإنما يَختلّ تعلّقها بالبدن حين يَفسد مزاج البدن أو تَضطرب أخلاطه، وهو ما يَعني أنّ المرض الذي يَظهر في السلوك والشعور قد يكون منشؤه في البدن لا في النفس، وهي فكرة سبق بها ابن سينا ما يُقرّره الطب النفسي الحديث من أنّ كثيراً ممّا يُظنّ نفسياً هو في حقيقته عضوي.
وأما الغزالي، فقد تكلّم في «المنقذ من الضلال» عن مراتب اليقين وعن الفرق بين ما يُدرَك بالحسّ وما يُدرَك بالعقل وما يُدرَك بالذوق، وقال إنّ من الناس من يَنكر ما لا يُدركه حسّه لا لعدم وجوده بل لقصور حسّه عن إدراكه، وهذا الكلام يَنطبق على مسألتنا من وجهين: فمن جهة يُمكن أن يُقال إنّ مَن يُنكر وجود الجانّ مُنكرٌ لما لا يُدركه حسّه، ومن جهةٍ أخرى يُمكن أن يُقال إنّ مَن يَزعم رؤية أثر الجانّ في بدن الإنسان يَنقل مشاهدته من الحسّ إلى التفسير، والنقل من الحسّ إلى التفسير ليس يقيناً بل ظنّاً، وعلى هذا فمَن شاهد مريضاً يَتكلّم بكلامٍ لا يُشبه كلامه المعتاد قد يُفسّر ذلك بأنّ جنياً يتكلّم على لسانه، وقد يُفسّره الطبيب بأنّ المريض يُعاني من اضطرابٍ في القوى الإدراكية يَجعله يَنطق بما لا يَعيه، وكلا التفسيرين يُحاولان تفسير المشهد نفسه، لكنّ التفسير الطبي يَستند إلى ما يُمكن قياسه وملاحظته والتكرار، والتفسير بالمسّ يَستند إلى افتراضٍ غيبيٍّ لا سبيل إلى إثباته بالأدوات التي نُثبت بها سائر العلوم.
وأما المتصوفة، فقد عرفوا حالاتٍ يَفقد فيها السالكُ وعيه الإرادي ويَنطق بما لا يَعيه، لكنّهم لم يَعدّوا ذلك مسّاً جنّياً بل عدّوه «حالاً» من أحوال الوجد والغياب، أي حالةً نفسيةً روحيةً تَطرأ على السالك حين يَشتدّ حضوره مع الحقّ حتى يَغيب عمّا سواه، وممّا يُميّز الحال عن المسّ أنّ الحال يَطرأ على صاحبه بعد رياضةٍ ومجاهدةٍ وتَصفيةٍ للقلب، وأنّه يَنقشع ويعود صاحبه إلى وعيه سليماً، وأنّه لا يُصاحب أذىً في البدن ولا اضطراباً في الإدراك بعد زواله، وهذا التمييز الذي وَضعه المتصوفة بين «الحال» و«المسّ» يَدلّ على أنّهم كانوا يُميّزون بين ما هو تجربةٌ روحيةٌ صادقة وما هو اضطرابٌ مرضي، ولم يَخلطوا بينهما كما يَخلط اليوم من يَجعل كلّ نطقٍ غريبٍ وكلّ سلوكٍ خارج عن المألوف دليلاً على دخول الجانّ.
## ثالثاً: النصوص الشرعية التي يُستدلّ بها على تحكّم الجنيّ بإرادة الإنسان
يَرِد من يَعزو الأمراض النفسية إلى مسّ الجانّ خمسةُ نصوصٍ شرعية، نَذكر كلّ نصٍّ منها بسببه وسياقه ثم نَنظر في مدى دلالته على ما يُراد منه.
### ١. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾
السياق في الآية أنّ الله تعالى يُخبر عن آكلي الربا أنّهم يوم القيامة لا يقومون من قبورهم إلا كما يقوم الذي يَتخبّطه الشيطان من المسّ، أي يقومون قياماً مضطرباً متخبّطاً كقيام المصروع، وضُرب لهم هذا المثل لأنّهم اشتدّ حبّهم للدنيا حتى صار كالمسّ الذي يُصيب العقل فيُفسده.
والآية بظاهرها دليلُ نفيٍ لا إثبات؛ فإنها تذكر المسّ لا الدخول، والمسّ حقيقةً في مباشرة سطح الشيء باليد بحيث تَلتقي البشرة بالسطح الممسوس، وهو مجازٌ فيما عدا ذلك من المعاني، فالشيطان على ظاهر الآية مسّ ظاهر المتخبّط مسّاً ولم يُداخل جسده. وممّن صرّح بذلك ابن حزم الظاهري في «الفصل في الملل والنحل»، إذ ذكر أنّ تأثير الشيطان في المصروع إنما هو بالمماسة فحسب، وأنّ من زاد على ذلك فقد قال ما لا علم له به، وحاصل كلامه أنّ الشيطان يُلقي الوساوس على الإنسان من الخارج بلا سرايةٍ في داخله، وأنّه يُثير به من طبائعه السوداء والأبخرة المتصاعدة إلى الدماغ فيَحدث الله له الصرع والتخبّط كما نُشاهده، وما زاد على هذا فخرافاتٌ من توليد العزّامين. وكلام ابن حزم قويٌّ وظاهر القرآن يُؤيده.
وعلى التَّنَزُّل والقبول بأنّ الآية دالّةٌ على أنّ الشيطان يدخل في الإنسان، فإنّ الآية دالّةٌ على أنّ أثر الشيطان فيه هو التَّخَبُّط لا على أنّ الشيطان يُلغي وعي الإنسان ويتحكّم في إرادته وأفعاله وينطق على لسانه، فليس فيها ما يُريدون. على أنّ الفخر الرازي قد حمل الآية على معنىً آخر في تفسيره، إذ فسّر المسّ بأنّ الشيطان يَدعو إلى طلب اللذات والاشتغال بغير الله، فالتخبّط حينئذٍ اضطرابٌ بين دعوة النفس ودعوة الدين، وهو تأويلٌ لا يَستقيم معه الاستدلال على المسّ الجسدي فضلاً عن تحكّم الجنيّ بالإرادة.
### ٢. حديث: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»
روى الإمام البخاري في صحيحه عن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدّثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليُقلّبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي: «على رسلكما إنها صفية بنت حيي»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: «إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يَقذف في قلوبكما سوءاً — أو قال: شيئاً».
وسبب ورود الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خشي أن يَظنّ الصحابةُ به سوءاً لمّا رأوه مع صفية ليلاً، فبيّن لهم أنّ الشيطان يُوسوس للإنسان ويَقذف في قلبه الظنون، وأنّه يَنبغي للمؤمن أن لا يَسترسل مع هذه الوسوسة. وظهر من سياق الحديث أنّ المقصود شدّة الوسوسة ودوامها وإيراد الخواطر على بال الإنسان، لا أنّ الشيطان يَجري محمولاً في دمائه حقيقةً ماديةً؛ وإلا لو كان الكلام على ظاهره لكان الشيطان داخل كلّ واحدٍ منا يَجري على الدوام، فبمَ اختَصّ من يُسمّونه ممسوساً ممّن ليس بممسوس؟ فإن كان لفظ «الإنسان» للجنس عمّ كلَّ أفراده، فيكون جارياً في كلّ فردٍ من النوع الإنساني على ظاهر الحديث، فليس فيه دليلُ اختصاص الممسوس بدخولٍ لا يتوفّر في غيره.
وعلى التَّنَزُّل بالقبول بأنّه يدخل حقيقةً ويَجري محمولاً في دمائه كما تَحمل الفيروسات والبكتيريا، فأين في الحديث أنّه يتحكّم في أفعاله ويُلغي إرادته ويستولي على وعيه؟ وهو محلّ النزاع.
### ٣. حديث: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده فإنّ الشيطان يدخل»
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده، فإنّ الشيطان يدخل». وسبب ورود الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يَنهى عن إفساد الصلاة بالتثاؤب ويأمر بكظّ الفم عند التثاؤب، لأنّ التثاؤب من الشيطان ومن علم النعاس والكسل. وظاهر الحديث يعارض ظاهر حديث «يجري مجرى الدم»، فإنّ الأول يُفيد الدوام وهذا يُفيد الاستئناف، وقد اختلف المحدّثون في معنى الدخول: فمن قائلٍ بأنّه يَدخل حقيقةً إلى جوفه، وقائلٍ بأنّ المعنى أنّه يتمكّن منه أو يَدخل بينه وبين قلبه فيُلهيه. قال التوربشتي في شرحه: معناه أنّه يَجد السبيل إلى ما يبتغيه من تثبيطه عن العبادة عند استرسال العبد فيما يُهيج الغفلة ويُذهب التيقّظ. فليس نصّاً في المسألة، وعلى التَّنَزُّل بالقبول بأنّه يَدخل، فأين فيه أنّه يتحكّم في الإنسان ويُلغي إرادته ويستحوذ على وعيه؟
### ٤. حديث المرأة التي جاءت بصبيّ لها به لَمَم
روى الإمام أحمد في مسنده أنّ امرأةً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم معها صبيٌّ لها به لَمَمٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرج عدوّ الله أنا رسول الله»، قال: فبُرئ. وسبب ورود الحديث أنّ المرأة اشتكت إلى النبي ما يَعتري صبيّها من لَمَمٍ وهو نوعٌ من الجنون والاختلاط، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لصبيّها ودعا على ما يَعتاده.
وروي هذا الحديث بأسانيد لا تخلو من مقالٍ وانقطاع، وصحّحه بعضهم بشواهده، وعلى فرض صحّته فهو حديث آحادٍ لا نملك الجزم بما كان فيه من ألفاظ لِتُحَلَّ الإشكال، فلعله من تصرّفات الرواة بفهمهم. وعلى فرض التسليم بأنّ ألفاظ ما جرى نُقلت إلينا كما هي بلا تصرّف، فليس فيه شيءٌ في محلّ النزاع، فإنّ المرأة اشتكت أنّ صبيّها به «لَمَمٌ» أي جنون، وليس فيه أنّ الشيطان يتحكّم بأفعاله ويُلغي إرادته ويتكلّم بلسانه. ولا يمتنع أن يُسبّب الجنيّ للإنسان الأذى في جسده وعقله، غير أنّ ذلك ليس هو الأصل في التعامل والبحث والمعالجة، ولا ينبغي أن يُجعَل أصلاً خاصّةً مع قيام الدليل على أنّ للأمراض النفسية والعقلية عوامل عضوية تشريحية مرصودة، فمثل هذا يكون استثناءً على أفضل الاحتمالات لا أصلاً.
### ٥. حديث عثمان بن أبي العاص
روى الإمام مسلم في صحيحه أنّ عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إنّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلبسها عليّ»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيطانٌ يُقال له خِنْزَب، فإذا أحسستَه فتعوّذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً»، قال عثمان: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.
وفي مسند الإمام أحمد روايةٌ أخرى أنّ عثمان اشتكى إلى النبي أنّه يَعرض له شيءٌ في صلاته حتى ما يدري ما يُصلّي، فضرب النبي صدره وتفّل في فمه وقال: «أخرج عدوّ الله» ثلاثاً. ويُحتمل أنّ الواقعة متعدّدة لا واحدة، وأيّاً ما كان من أمر، فالحديث أجنبيٌّ عن محلّ النزاع الذي هو سيطرة الجنيّ على الإنسان وتحكّمه في أفعاله وأقواله، ولا يَمتنع أن يُحمَل على الوسوسة والإشغال فحسب، بل هذا الحمل هو الأقرب لأنّ الرواية الأصحّ في صحيح مسلم ليس فيها شيءٌ ممّا في رواية المسند من ضرب الصدر والتفل وإخراج العدوّ، وإنّما فيها تعليم النبي لعثمان أن يتعوّذ بالله ويتفل عن يساره ثلاثاً، فبمقابلة هذه الرواية بتلك يَبدو أنّ ما فيها من زياداتٍ من تصرّفات الرواة بفهمهم.
## رابعاً: مشكلة الاستدلال بالمشاهدة
هذا غاية ما لدى المثبتين لدخول الجنيّ في الإنسان وتحكّمه في إرادته وأفعاله من أدلّةٍ شرعية، وما بقي معهم بعد ذلك فمن باب ما نُقل عن الإمام أحمد رحمه الله من الإحالة على المشاهدة حين سُئل عن المسألة، فقال: «هو ذا يتكلّم على لسانه»، فغاية ما لديهم مشاهداتٌ جزئية يَفهمها من يباشرها على أنّها أفعالٌ وكلماتٌ صادرةٌ عن جنيٍّ داخل الإنسان. غير أنّ أحداً لم يَرَ جنياً، ولا أحد رأى جنياً يَدخل أو يَخرج من جسد الإنسان، فهذا الاستدلال بالمشاهدة يَجري عليه ما يَجري على التجربة من قيودٍ وشروط ليتحصّل منها علمٌ مفيد: من التحكّم في ظروف التجربة وتحييد تدخّل العوامل الخارجية وتوسيع عيّنة البحث والتحكّم في المتغيّرات ثم بعد ذلك الاتفاق على التفسير، وإلا عادت هذه المشاهدات مجرّد مشاهداتٍ وتفسيراتٍ شخصية متأثّرةٍ في أغلب الأحيان بمخزون الخيال الشعبي الذي يتلقّاه الإنسان مذ كان طفلاً ولا وزن لهذا ولا اعتبار به لا في الأحكام الشرعية ولا في العقل ولا في العلم التجريبي.
وممّن أنكر أن يكون كلام المصروع كلاماً للشيطان ابنُ حزم، إذ عدّ ذلك من مخاريق العزّامين ولا يجوز إلا في عقول ضعفاء العجائز، وقال: «وإنّما يُلقي الشيطان في النفس يُوسوس فيها، كما قال الله تعالى ﴿يُوسْوِسُ في صدور الناس﴾، فأمّا أن يتكلّم على لسان أحد فحمقٌ عتيقٌ وجنونٌ ظاهر». وحديثه هذا يُلقي ضوءاً على أنّ مَن يَظنّ سماع كلامٍ من المريض أنّه كلامُ الجنّ إنّما يَنقل مشاهدته من الحسّ إلى التفسير بلا دليلٍ ناقل، وهو عين ما يُنكره أهل العلم على مَن يَبني أحكاماً على المشاهدة بلا ضبطٍ لشروط الاستدلال.
## خاتمة
الأمراض النفسية أعقدُ من أن تُختزَل في تبسيطاتٍ سطحية وآراءٍ شعبوية ولّدت وصماتٍ مجتمعيةً ترى كلّ مرضٍ نفسيٍّ من قلّة إيمان صاحبه أو دخول جنيٍّ في جوفه. والطبّ النفسي الحديث قد أثبت أنّ لها أسباباً عضويةً مشرّحةً مرصودة، والنصوص الشرعية التي يُستدلّ بها على تحكّم الجنيّ بإرادة الإنسان لا تتحمّل ما يُحَمَّل عليها، والفلاسفة المسلمون سبقوا إلى التمييز بين مرض النفس في جوهرها ومرض البدن الذي يَظهر أثره في النفس، والمتصوفة ميّزوا بين الحال الروحي وبين المسّ المرضي، فلا يَبقى مع المثبتين إلا الاستدلال بمشاهداتٍ لا تَبلغ مرتبة اليقين.
ولعلّ من أعمق ما قيل في ارتباط الإنسان بما يَملكه من أدوات معرفة قولُ فيتجنشتاين في رسالته المنطقية الفلسفية: «حدود لغتي هي حدود عالمي»، وهو قولٌ يَجد له صدىً قديماً في كلام الجرجاني في نظرية النظم حين قرّر أنّ المعاني تَتولّد من تركيب الألفاظ لا من مجرّد وضعها، وأنّ ما يَملكه الإنسان من أبنيةٍ لغوية هو ما يُحدّد ما يُمكنه أن يُدركه ويفكّر فيه، وإن كان كلٌّ منهما قد عبّر عن ذلك في إطاره المعرفي الخاص. والمجتمعات التي لا تَملك في لغتها وفي أدواتها المعرفية إلا مفرداتِ الجنّ والمسّ واللّمس والصرع، لا تَستطيع أن تَرى المرض النفسي إلا من خلال هذه المفردات، ولا تَستطيع أن تُسمّي الاكتئاب اكتئاباً ولا الفصام فصاماً ولا اضطراب ثنائي القطب ما يُسمّونه، لأنّ هذه الأسماء خارج حدود لغتها وعالمها، فتَرُدّ كلّ ما لا تَعرف اسمه إلى ما تَعرف، ولو كان ما تَعرف غيرَ ما هو كائن. وتلك سُنّةٌ في النفس البشرية أن يُردّ المجهول إلى المعلوم ولو كان المعلوم ظنّاً والمجهول هو اليقين.
ولا ينفي هذا وجودَ الجانّ ولا قدرتَهم على الإيذاء، لكنّه يَنفي أن يكونوا هم التفسير الأصليَّ للأمراض النفسية، وأن يكون التداوي بالقرآن هو العلاج الأوّل الذي يُلجأ إليه ويُترك ما سواه. والمسلم ينبغي أن يلتمس العلاج الطبيّ لنفسه بنفس الثقة التي يلتمس بها العلاج لمرض السكّري أو الضغط، فإنّ الله خلق الداء والدواء، ولم يَجعل لمرضٍ من الأمراض باباً واحداً للشفاء دون سواه، ومَن زهد في الأسباب التي جعلها الله فقد خالف السنّة التي فَطر الله عليها الخلق. ثم إنّ التحصّن بالذكر والتعوّذ بالله من شرّ الشيطان هو من أعظم ما يَحفظ به الإنسانُ نفسه، لا بوصفه علاجاً للمرض حين يَنزل بل بوصفه وقايةً تَحفظ القلب وتُثبّت العزم وتُذكّر الإنسان بأنّ له ربّاً يَكفيه ويَحميه، كما قال المتصوفة: الذكرُ ليس طلباً لشيءٍ بل هو حضورٌ مع الشيء، فمن حَضَر قلبُه مع ذِكر الله لم يَتسرّع إلى التفسير بالجنّ عند كلّ هَوْل، ولا أنكر الأسباب التي جعلها الله، بل رآها كلَّها من الله وإلى الله، فلا يَخاف ممّا خلق الله ما دام ذاكراً لِمَن خلق.
